عادل المحلاوي

كم من الخلق حُرموا بلوغ رمضان - هذا العام -؟، وكم مُنعوا منه؟، وارهم الموت تحت الثرى، وأصبحوا خبرًا بعد عين وأثرًا بعد ذات، فيا من بلغت الشهر الكريم، وصرت من أهل صيامه وقيامه، فإنها نعمة لا يُقدر قدرها إلا من عرف فضله، ورأى مزاياه، ويكفيك من ذلك قول الباري في بيان مكانته وشرفه ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ ﴾ [البقرة: 185].

لقد كانت بركة هذا الشهر عظيمة على كثيرٍ من المسلمين، فقد كان سببًا لكثير منهم في الازدياد من الخيرات، ومنطلقًا لجم غفير منهم في الإكثار من القربات، وسببًا للتغير والتحول من المعصية إلى الطاعة، ومن الفساد إلى الصلاح.

وهذا ما لخصه الكاتب في كُتيبه، والذي جاء تحت عنوان: "رمضان غيرني"، طالبًا من قارئه أن يحمل هذا الشعار في رمضان هذا العام، وذلك لسعادتنا بخيراته علينا، يوم نرى أنفسنا وقد أصبحنا من أهل الصلاح، ومن مرتادي المساجد وأماكن الفلاح، فتمتلئ قلوبنا فرحًا ورضًا عن مولانا - جلا وعلا.

ويتساءل الكاتب؛ لماذا (غيرني رمضان)؟ ولا ينتظر منك جوابًا؛ وإنما شرع يقول: غيرني رمضان؛ لأنه شهر نزول الرحمات والبركات، ونفحات المغفرة تحيط بالعباد، وليقيني أني محروم إن لم تدركني تلك الرحمات، وعلمت أني سأبقي في شقاء إن لم أتعرض لتلك النفحات، ولم لا؟ وقد أخبرنا نبينا - عليه الصلاة والسلام -: «رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه رمضان، ثم انسلخ قبل أن يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة».

أف للذنوب ما أثقلها على أصحابها، وما أشد وطئها على من عجز أن يتخلص منها:

ويُكمِل الكاتب جواب سؤاله- نيابة عنك أيها القارئ الكريم - فيقول: لقد أيقنتُ أنه آن لي أن أجُدد التوبة هذه الأيام المباركات، وأعمل لإصلاح شأني وعلاقتي مع ربي، ومراجعة حالي مع سائر الطاعات، فهذا الشهر فرصة حقيقية للتزود من القربات لكثرة العاملين، وللأجواء الإيمانية المشجعة للعمل الصالح، فلذا عزمت على أن يكون رمضان بداية الانطلاقة للجد في الطاعات والتزود منها لداري الحقيقية ومصيري الأبدي.

وعن مظاهر التغيير الذي أحدثه رمضان فيِّ، فلقد أصبحتُ من المصلين، المؤدين لها في جماعة المسجد بعد أن كنت هاجرًا لها، وأصبحتُ وأمسيتُ مع كتاب ربي، الذي طالما هجرته، وكثيرًا ما ابتعدت عنه أيامًا وأسابيع حتى كأنني المعني بشكوى رسول الله عليه الصلاة والسلام: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا ﴾ [الفرقان: 30]، كما أن التغيير كان من مظاهره إحداث زلزال عظيم في علاقتي بالناس؛ فكم كانت معاملتي لهم غليظة، وسلوكي معهم فظ، فما كنتُ أتحمل منهم كلمة، ولا أقبل منهم نقداً، أشك في تصرفاتهم معي، وأظنهم يريدون من ورائه التنقيص من قدري ومكانتي، حتى حل بساحتي رمضان، وأدركت هذه الأيام الفاضلة، فكان للطاعات أثر كبير علي، فها هي النفس قد هذبت، والأخلاق قد استقامت. لقد وجهتني الآيات إلى إحسان الظن بالناس بقوله تعالى: ﴿ اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ ﴾ [الحجرات: 12].

وأرشدتني إلى القول الحسن: ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ﴾ [البقرة: 83].

ومعاملتهم بالمعروف، والعفو عنهم ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40].

والإحسان إليهم ﴿ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [البقرة: 195].

ومن تلك المظاهر التي رأيت التغيير يصل إليها؛ ( سلوكي ) فكم كنتُ أظن أن الحياة مُتَعٌ وشهوات يُعبئ منها المرء كيفما شاء وبدون حسيب ولا رقيب، وأنَّ له أن يتمتع بلذائذها حتى وإن كانت فيما لا يرضي الله، أو كان فيه التعدي على الآخرين، فإذا بروحانية رمضان تحل بي، وخيرات هذا الشهر ترشدني من غفلتي، وتوقظني من سهوتي، وتقول لي رويدك إنك تسير في طريق مظلم، ونفق موحش، إن هذا الدرب الذي تسير فيه قد سار قبلك فيه فئام فندموا، ولهث فيه أقوام فخابوا وخسروا.

ومن تلك المظاهر أيضًا (حفظ جوارحي) فلقد بلغني حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أبي هريرة - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصيام جنة فلا يرفث، ولا يجهل، إن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل: إني صائم مرتين، والذي نفسي محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها» [حديث صحيح، رواه البخاري في الجامع الصحيح].

فعلمتُ أن كثيرًا من تعبي ونصبي وجوعي وعطشي هذه الأيام - وصبري على كل ذلك - سيذهب سدى إن لم أحافظ على جوارحي، وأحيطها برعايتي، لقد قول الله تعالى: ﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ [الإسراء: 36] فعرفت أني مسئول عن هذه الجوارح، فأعددت للسؤال جواباً، وللجواب صوابا.

وأيضًا من المظاهر (معرفة شريف الأوقات) فلقد كنت مفرطًا في أوقات شريفة، وأزمنة جليلة، عظمها ربي - عز وجل - وأثنى علي أهلها، لم أعرف فضلها إلا بعد بلوغي رمضان مع أنها معظمة في كل شهر، وهي أوقات مدح الله المغتنمين لها، وجعل الأعطيات لأهلها أعظم العطايا، والإفضال عليهم واسع، ومن أجلها - وقت السحر -، مدح الله أهله مدحاً كريماً في أعظم بيان فقال: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الذاريات: 15 - 18].

فعقدت العزم على استغلاله وطرح حاجتي في جناب ربي الذي وعد، وهو أوفى من صدق.

كذا من مظاهر التغيير في رمضان ( قدْر نفسي ) فكم كنتُ مغترًا بحالي، وما أنا عليه في ساعته، وكنت أظن أنه ما دمت أعيش في بلاد الإسلام فقد بلغتُ كل شيء، وأني لستُ بحاجة لمزيد من الطاعات والقربات، ويكفيني ركيعات أركعها، أو قراءة القرآن وقت فراغي، وأما الصدقة فلم افكر فيها؛ لأن ما معي من مال قد أنفقته على شراء كل أمر متعلق بدنياي، ولكن بدخول هذا الشهر الكريم، رأيت مناظرًا كريمة، وصورًا ناصعة للأخيار من هذه الأمة فعدتُ على نفسي باللوم، وأنَّبتها أشدَّ التأنيب على تفريطها في جنب الله، وكيف مضى هذا العمر وأنا أسير للغفلات، كيف لو قَدِمت على ربي وأنا خالٍ من الكثير من الحسنات؛ تذكرت وأنا أرى الناس يدلفون على بيوت الرحمن، وقد حبستني الذنوب والمعاصي، رأيتهم وقد حبسوا أنفسهم جلوسًا في بيوت الله، وقد أمسك كل واحد منهم بكتاب الله - تعالى - يتلوه، ورأيتُ المتصدقين يسابقون إلى الصدقة فهذا يبحث عن فقير ويصل إلى بيته، وذاك قد قام على سفرة للصائمين يخدم هذا ويدعوا ذاك، وثالث قد نذر وقته كله لخدمة المسلمين فعدتُ باللوم على نفسي، وأيقنت أنني في حاجة لمعونة ربي أن يعينني على مثل تلكم الطاعات.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ