حمدادوش ناصر

يُجمِع علماؤُنا أنّ ترتيب الآيات في القرآن الكريم توقيفي، وهو لا يخلو من الحِكمة، وأنّ كلّ آيةٍ في موضعها لها من الدّلالة ما يجسّد النّسق القرآني في المبنى والمعنى، ومن ذلك ورود آية الدّعاء في قوله تعالى: “وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب، أجيب دعوة الدّاعي إذا دعان..” (البقرة:186)، بين آيات الصيام، بين قوله تعالى: “شهرُ رمضان الذي أُنزل فيه القرآن..“(البقرة:185)، وبين قوله تعالى: “أُحِلَّ لكم ليلة الصيام الرّفثُ إلى نسائكم..“(البقرة:187)، ورُوِي عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم أنّهم قالوا: (أقريبٌ ربُّنا فنناجيه، أم بعيدٌ فنناديه..)، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

 وكأنّها الحالة الإيمانية والرّوح الملائكية التي يرتقي إليها الصائم، بما يؤهّله عند ربّه، فيسمَعُ نداءَه، ويجيبُ دعاءَه، ولا يخيّبُ رجاءَه، ليجد نفسه أمام لفتةٍ عجيبة، تغوص إلى أعماق نفسه المرهفة، لتلامس أسرارُها الخفيّة هذا الوُدّ، فتنسيه مشقّة الجوع والعطش، بهذا التناسق العجيب والتناغم المبْهِر بين عبادة الصّيام وبين حالة الدعاء، بما يجسّد حقيقة ذلك القُرب..

واللّطيف في الآية أنها تحكي عن حالة القُرب المقدّس، التي تناجي نداوة الحبّ والأُنس، فتنطق بها حالة: الذّكر والدّعاء.

 والقُربُ قد يأخذ عدّة تجلّياتٍ واقعية، وهي: إمّا قرب الذّات، أو قرب الصّفات، أو قرب الأفعال والتصرّفات. 

فأمّا قرب الذّات الإلهية فهي محالٌ على الله تعالى، ولا معنى للدنو المكاني والمتمثل في قطع المسافة، لأنّه منزّهٌ عن الجهة، وإلا لما كان قريبا من الكلّ، ولكان قريبًا من شيءٍ وبعيدًا عن آخر.

ولذلك تندهش من دقّة التعبير القرآني، فلا يتكلّم بصيغة المفرد إلا في مقام الحديث عن الذّات، وهي واحدة، كقوله تعالى: “إنّني أنا الله..“(طه:14)، بينما تجده يتكلّم بصيغة الجمع في معرض الحديث عن الصفات أو التصرّفات، وهي متعدّدة، فيقول مثلاً: “ولقد خلقنا الإنسان..“(ق:16).

  وقُرب الله تعالى من العبد نوعان:

 1- قربٌ عام: وهو قربٌ يشمل النّاس جميعا، وهو بمعنى: عِلمُ الله تعالى بالإنسان: ظاهرِه وباطنِه، سِرِّه وعلانيته، مثل قوله تعالى: “ولقد خلقنا الإنسان، ونعلمُ ما توسوس به نفسُه، ونحن أقرب إليه من حبل الوريد“(ق:16)، وهذا القُرب القهري من الخلق جميعا، هو قربُ الإحاطةِ والعلم والقدرة..

 2- قربٌ خاص: وهو قربٌ خاصٌّ بعباده الصّالحين وبأوليائه المقرّبين، وهو بمعنى: قربُ المعيّة والنّصرة والتكريم، مثل قوله تعالى في هذه الآية: “وإذا سألك عبادي عنّي فإنّي قريب..” (البقرة:186). وإضافة “العباد” إليه سبحانه: إضافةُ التشريف والتكريم، والتولّي المباشِر والعاجِل بالإجابة مبعثٌ على الوُدّ والأُنْس والرّضا..

  إنّها العلاقة التلازمية بين “شفافية الرّوح” بالصوم، وبين استحقاق الاستجابة في الدّعاء، لأنّه مخُّ العبادة، وهو ما استحقّ التركيز النبوي الشريف عليه في قوله صلّى الله عليه وسلّم: “إنّ للصّائم عند فطره دعوةٌ لا تردّ“.

فكيف تتحقّق نعمةُ القرب من الله عزّ وجل؟ وكيف يمكن تفسيرها؟

إنّ المعنى الرّوحي والسّر العقلي لمعنى قُرب العبد من الرّب هو قوّة العلم والإدراك واليقظة بأنّ الله قريبٌ بعلمه وبصره، وبأنّه مطّلعٌ على سرّه وعلانيته، لا يخفى عليه شيء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور، فإذا استقرّ هذا العلم في الذّاكرة وتأصّل في النّفس وقوِيَ الشّعور به تحوّل إلى دوام مراقبته والإدمان على ذكره، وتذكّره في كلّ أحواله، فيتحقّق بوصية الحبيب المصطفى “صلى الله عليه وسلّم”: “اتق الله حيثما كنت..“، وهو خُلُق المراقبة.   وهذه حالاتٌ سلوكية من السّمو الرّوحي التي لا نهاية لها، ولا يزال العبد يَرْقى في سُلّم الوصول في نطاق السّلوك إلى الله تعالى، إلى الدرجة التي يشاهد فيها قربَ الله منه بقلبه وبصيرته، قال سبحانه عن الحالة القدسية للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم: “ما كذَبَ الفؤادُ ما رأى“(النّجم:11)، ويقول عن حقيقة المشاهدة القلبية: “فإنّها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصّدور..“(الحج:46)، وهي حركةٌ قلبيةٌ حقيقيةٌ وواقعية، تتكامل معها النّفس في ارتقائها المعنوي والرّوحي للتعبير عن ذلك القُرب..

والقُرب بهذا المعنى هو قوّةُ اليقين وحِدّةُ الإدراك بقرب الله تعالى بصفاته وأفعاله من العبد، وهذا القُرب هو قهريٌّ من قِبل الله تعالى، لا دخل للعبد فيه إلا بمقدار الاختيار بالتماهي في معرفته سبحانه، وهو فعلٌ كسبي من جِهة المؤمن، فيمتلئ القلب بهذه المعرفة، كما قال سلطانُ العلماء “العزّ بن عبد السلام”: (اعلم أنّ الخوف ناشئٌ عن معرفة شدّة النّقمة، والرّجاء ناشئٌ عن معرفة سِعة الرّحمة…) إلى أنْ قال: (ولا يمكن اكتسابُ هذه الأحوال – في العادة – إلا باستحضار المعارف التي هي منشأٌ لها..).  إنّ هذا المعنى من القُرب المعنوي لا قيمة له في الحقيقة إنْ لم ينشأ عنه السّلوك التعبّدي، الذي يُصدِّق ذلك الشعور القلبي، فيتحوّل “القربُ” من الشعور إلى “الأُنسِ” في السلوك، وهو الاستغراق في عالم العبودية، كما جاء في الحديث القدسيّ الجليل:“.. وما تقرّب إليّ عبدي بشيءٍ أحبُّ إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه..“.

 إنّ التكامل بين “الحالة القلبية” و”الحركة الواقعية السّلوكية” في الاستقامة على أمر الله تعالى هي أرقى صور القُرب منه سبحانه، بحيث تتعادل فيها العلاقات بين عناصر كينونة الإنسان، ومنها: معراج الرّوح إلى أصلها السّماوي العلوي، وتواضع الجسد إلى أصله الترابي والأرضي في الصلاة، والتي هي بساط القرب بحالة “السّجود” بخشوع، وهي أرقى صور القُرب الحقيقي منه عزّ وجلّ، وصدق الحبيب الذي لا ينطق عن الهوى إذ قال: “أقربُ ما يكون العبدُ من ربّه وهو ساجدٌ، فأكثروا من الدّعاء“.

  إنّها لحظاتُ الأنس، يتذوّق فيها حلاوة الكرم الإلهي، وينال نصيبه من لذّة مناجاته، فينثرُ حبّات قلبه، وهو يذوب أمام جمال وكمال وجلال الله تعالى، ولا يجد إلا بابًا مفتوحًا من العطاء اللاّ متناهي، في لحظات الصّفاء الرّوحي والكمال النّفسي، في ساحة القُدس، وعلى أعتاب حضرة الرّب، بعد أنْ أذِن له بهذا القُرب، ولا يزال العبدُ يسلك هذا المنحى من القربِ بكثرة السّجود، كما قال تعالى: “واسجد واقترب.“(العلق:19)، حتى يكون من المقرّبين.

 إنه سؤالٌ لطيفٌ وجميل: “وإذا سألك عبادي عنّي..“، فتأتي الإجابة مباشِرةٌ منه سبحانه وبلا واسطة: “فإني قريب..“، ولا شكّ أنّ حُسن الأدب مع الله تعالى، وصدق المعرفة به تدلّ على دقّة السؤال: فهو ليس عن ذاته، بل عن صفاته وأفعاله وتصرّفاته، ومنها: سرعة الإجابة على السؤال: “أجيبُ دعوة الدّاعي إذا دعانِ..“، ومتى أطلق لسانك بالطلب فاعلم أنما أراد أن يعطيك..

إنّ مشقّة الصيام ليست مقصودةٌ لذاتها، بل هي وسيلةٌ للوصول إلى حالة انكسار القلب بالجوع والعطش، فينطلق اللّسان بما يختلج في الوجدان، ويعلن عن حالة الافتقار إلى الله تعالى، والانتقال من “ظاهر العبادة” بالصوم إلى “باطن العبودية” بالدّعاء، وهو ما يريده منّا باستخلاص القلوب إليه سبحانه.

قال تعالى: “وما أُمِروا إلا ليعبدوا الله (ظاهر العبادة) مخلصين له الدّين (باطن العبودية بالقلب)..” (البيّنة:05).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ