إن شح الأغنياء والضن بقسط مما في أيديهم على الفقراء والمحتاجين كان مقويا لظاهرة الفقر فيهم ومنميا لها، من أجل ذلك فرض الله عز وجل الزكاة وجعلها حقا في مال الغني تؤخذ منه كرها إن لم يدفعها طوعا.

والقرآن حين تحدث عن البخل اعتبره داء يصاب به المجتمع فيشل حركته، قال سبحانه: «قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشبة الإنفاق، وكان الإنسان قتورا» وقال صلى الله عليه وسلم محذرا أمته من الشح: «إياكم والشح فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا وأمرهم بالفجور ففجروا». وقال أيضا: «ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه».  فإذا كان الفقر طريق الفجور والموبقات وبه هلاك الأمم والجماعات فإن الشح لا يقل عنه خطورة وما اجتمعا في أمة إلا كان هلاكها بهما، لذلك كان من الضروري كلما ذكر الفقر أن يذكر الشح والبخل إلى جانبه، والإسلام لا يحارب الفقر فقط بل يحارب كل ما من شأنه أن يزيل صفة الإنسانية عن المسلم، أو يزرع في نفسه حب الأنانية. كالبخل فإنه شر ما بعده شر قال عليه السلام: «وأي داء أدوى من البخل» وقال سبحانه: «ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم، بل هو شر لهم». يقول أبو الحسن الماوردي: «ويحدث عن البخل من الأخلاق الذميمة وإن كان ذريعة لكل مذمة أربعة أخلاق ناهيك بها ذما وهي: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقــــوق».

فأما الحرص فهو شدة الكدح والإسراف في طلب الدنيا فيفوت الكادح على نفسه ما أمره الله به من العبادة وقد قيل: «ما رأيت إسرافا في شيء إلا وبجانبه حق مضيع»، وهذا الإسراف يدفع بصاحبه إلى جلب المال من أي جهة كان، لا يفرق بين ما يحل منها وما يحرم.

وأما الشره فهو استقلال الكفاية والاستكثار لغير حاجة، فعن ابن مسروق قال صلى الله عليه وسلم: «من لا يجزيه من العيش ما يكفيه لم يجد ما عاش ما يغنيه»، وقال بعض الحكماء: «الشره من غرائز اللؤم»

وأما سوء الظن فهو عدم الثقة بمن هو لها أهل، فإن كان بالخالق كان شكا يؤول إلى ضلال، وإن كان بالمخلوق كان استخانة يصير بها مختانا وخوانا، لأن ظن الإنسان بغيره بحسب ما يراه من نفسه، فإن وجد فيها خيرا ظنه في غيره، وإن رأى فيها سوء اعتقده في الناس وقد قيل: «كل إناء ينضح بما فيه».

وأما منع الحقوق وهنا هو الأخطر (فإن نفس البخيل لما جلبت على حب المال واستعصى عليها تركه فلا تذعن معه لحق، ولا تجيب إلى إنصاف، بل تكون طائعة لكل فحشاء وفسق»، وقد عبر الله عن ذلك بقوله: «الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء».

يقول ابن القيم: قيل: «يعدكم» يخوفكم به، يقول إن أنفقتم أموالكم افتقرتم، «ويأمركم بالفحشاء» هي البخل في هذا الموضع خاصة، فعن مقاتل قال: «كل فحشاء في القرآن فهي الزنا إلا في هذا الموضع فإنها البخل»(11)، يقول سيد قطب: والفحشاء وإن كانت قد غلبت على نوع من المعاصي ولكنها شاملة. وخوف الفقر كان يدعو القوم في جاهليتهم لوأد البنات وهو فاحشة، والحرص على جمع الثروة كان يؤدي ببعضهم إلى أكل الربا وهو فاحشة، على أن خوف الفقر بسبب الإنفاق في سبيل الله فاحشة وتهلكة قال تعالى: «وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» التهلكة الفردية بالعذاب في الآخرة، والتهلكة الجماعية بما يشيعه عدم الإنفاق في المجتمع من تفاوت وظلم وفتن وأحقاد وضعف وانحـــــــــلال.

إن ما يقوض المجتمع ويذهب بتماسك أفارده أن يشيع فيهم روح البخل فيقول كل عضو فيه نفسي نفسي ولا يقول أمتي، أمتي وهذا ما عملت الزكاة بمبادئها العادلة على محوه والقضاء عليه.

والزكاة كما تحقق معنى التطهير للنفس، تحقق معنى التحرير لها من ذل التعلق بالمال والخضوع له، وقد جاء في الأثر: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهـــــــم». وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله: «إن هذا الدينار والدرهم أهلكا من كان قبلكم ولا أراهما إلا مهلكاكم».

انطلاقا من هذا كله حارب الإسلام الشح، ودعا المسلم إلى التجرد من حب المال، وما ذلك إلا لضبط السلطة القائمة في طبيعة التملك ليقيم التعاون الإنساني على أساسه العملي، وليقيم محاجزه بين المصالح الاقتصادية الطاغية حتى لا تأكل مصلحة مصلحة فتهلك، بها ويوجب أن تلد مصلحة مصلحة لتحيا بها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ