الحمد لله الذي ارسل رسله بالبينات وانزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ان الله قوي عزيز وصلى الله على محمد وعلى اله واصحابه اجمعين في العالمين. الزكاة في الاسلام هي الركن الثالث الذي يتوسط الاركان الخمسة التي يقوم عليها هذا الدين .

ويقصد منها شرعا تطهير المال بإخراج حق الله تعالى فيه .

وهو حظ الفقراء من اموال الاغنياء .

وقد فصل الشرع الحنيف في كل ما يخص الزكاة من المال المستحق للزكاة، ونصابها ، وشروطها ومستحقيها الى غير ذلك .

وما زال باب الاجتهاد مفتوحا في القضايا المستجدة في المعاملات والمؤسسات واحكام الزكاة فيها ولكن القران الكريم الذي قرن بين الصلاة والزكاة في عشرات المواقع ، اكد على نوع اخر عظيم ومهم من الزكاة او التزكية ، الا وهو زكاة النفس او تزكيتها .

كقوله تعالى ( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا*فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا*قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ) سورة الشمس .

 فاذا كان المال لا يطهر حتى يخرج منه حق الفقراء بالزكاة ، فان نفس الانسان الذي يملك المال يجب ان تزكا وتطهر ، بتنقيتها من كل الرذائل ، والنقائص اذ ما فائدة مال كثير بيد رجل بخيل ، او عاق للوالدين ، او قاطع رحم ، او مستكبر أو صاحب خصلة ذميمة تغلب عليه لدرجة الاتصاف بها .

أليس أولى ان يسعى لتزكية نفسه من مثل هذه الخصال , وعندها سيكون اخراجه للزكاة تحصيل حاصل . وفي قوله تعالى : ( لقد منّ الله على المؤمنين اذ بعث فيهم رسولا من انفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وان كانوا من قبل في ضلال مبين ) سورة آل عمران.

يبدو جلياً ان تزكية نفوس المؤمنين هي من اهم مهمات النبي صلى الله عليه وسلم . كيف لا ، وهي من ابرز ثمرات الايمان ، واعتناق هذا الدين .

وتظهر صفات المؤمن صاحب النفس المزكاة في اخلاقه ومعاملته ، في بيته وسوقه ، في بيعه وتجارته ، في ملبسه وطهارته وفي جميع جوانب معيشته .

انها النفس التي انتصرت على الشح وتطهرت من البخل حتى اتصفت السخاء والكرم .

وهي نفس سمت عن الحقد والضغينة ، حتى عرفت معنى الاخوة في الله ، ومحبة الاخرين .

وهي نفس نقاها الله تعالى من الانانية والاثرة حتى تجلت فيها صفة الايثار وتقديم حق الله على مصلحته الشخصية الضيقة .

نحن احوج ما نكون الى مثل هذه النفوس ، وهذه النفسيات ، فاذا حصلناها فانه ستكون نتيجتها الحتمية ، رأفة الاغنياء بالفقراء ، حتى يعاملوهم بالكرم والسخاء فيقابلهم اخوانهم بالحب والعفة .

فيحب الفقير الخير لأخيه الغني ، ويتعفف عن التطاول الى ماله بغير وجه مشروع .

فكانه بزكاة النفوس نصوغ الاطار الاخلاقي والقيمي , الذي تؤتي فيه زكاة الاموال أكُلها , وتبلغ فيه مبتغاها .

ان التكافل الاجتماعي والمودة والرحمة داخل المجتمع المسلم هي من اهداف فريضة الزكاة , ولكي نبلغ هذه الغاية , لابد من ان تزكو نفس الغني المنفق , فلا يمن على اخيه الفقير ولا يتكبر او يفخر . وبالمقابل يتعفف الفقراء كما وصفهم الله تعالى : ( يحسبهم الجاهل اغنياء من التعفف , لا يسالون الناس الحافا ) سورة البقرة .

انني متأكد بانه عندما تنتهي ظاهرة المتسول المحترف , الذي يتصنع الحاجه تكسبا , سيحل مكانه المتعفف الذي لا يسال الناس الحافا , وسيقابله الغني السّتّير , الذي ينفق حتى ما تعلم شماله ما انفقت يمينه وستحل البركة في النفوس والاموال , التي كدنا نعدمها في زماننا .

فتعالوا بنا ايها الاخوة الكرام نتحرى في رمضان الفضيل , مظاهر اصلاح النفس ومراحل تزكيتها , بحيث نكثر من الاعمال الصالحة الخالصة لوجه الله تعالى لعلها تزكو نفوسنا وتطهر من كل نقيصة .

ولله در القائل في هذه الحكمة الرائعة : ” كن مع الله بغير خلق , ومع الخلق بغير نفس , ومع النفس بغير امن ” .

ومعناها باختصار شديد : في تعاملك مع الله لا ترائي الناس , ولا تقتصر همتك على قولهم او تعليقهم , وفي تعاملك مع الناس لا تكن انانيا تحب لنفسك دونهم , ومع نفسكم اتهمها دائما بالقصور حتى تستكملها بالتزكية والاصلاح الدائمين .

والله الموفق والهادي الى سواء السبيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

.