خلِ ادكار الأربع     والمنـزل المرتبعِ

والضاعن المودعِ     وعدِّ عنه ودعِ

واندب زماناً سلفا     سودت فيه الصحفا

ولم تزل معتكفا     على القبيحِ الشنعِ

إلام تسهو وتني     ومعظم العمر فني

فيما يضرُّ المقتني     ولست بالمرتدعِ

أما ترى الشيب وخط     وخط في الرأس خطط

ومن يلح وخط الشمط     بفوده فقد نعي

آه له بيت البلى     ومنـزل القفر الخلا

ومنـزل السفر الألى     والضاعن المودع

يعني: القبر

بيتٌ يرى من أودعـه     أو ضمه واستودعه

لا يستوي إن حلـه     داهية أو أبله

أو معسر أو من لـه     ملك كملك تبع

هذه هي النهاية! فمادمت تعلمها فما الذي يجعلك تتأخر عن التوبة؟ وما الذي يجعلك تسوفها؟ أنت تعلم كم في بيتك من شريط لا يسرك أن يدفن معك أو تلقى الله به، وأنت تعلم كم في بيتك من مجلة لا يسرك أن تدفن معك أو تلقى الله بها، وتعلم أن في مالك قليلاً أو كثيراً من الريالات تعلم من أين جاءت، ولا يسرك أن تحج بها، أو تتصدق بها، أو تنفقها على أولادك، وربما قال الشيطان: اجعلها في وقود، أو في جدار، أو حائط، تخلص منها ما دمت قادراً قبل أن تُقسم من بعدك لهم حلال وتكون عليك حراماً.

هذه الدنيا حلالها حساب وحرامها عذاب، لن ينفعك -والله- إلا عملك حتى وإن طاف بك الطائفون، وأثنى المثنون، ومدح المادحون: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ [عبس:34-36] ما الذي حل بهم؟ ما الذي أصابهم؟ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس:37] أمك لا تلتفت إليك، وأبوك مشغولٌ عنك، وزوجتك بحالها مشغولة، وأبناؤك ينظرون موازينهم، وأحبابك كلٌ يتطاير بصره إلى أين تطير صحيفته، وهل يلقاها بيمينه أو بشماله، والله لن ينفعنا إلا أعمالنا ولو مدحنا الليل والنهار، وسينفعنا العمل وإن شتم الشاتمون، أو سبنا السابون، أو خذلنا الخاذلون، أو ثبط المثبطون، أو أرجف المرجون، أو سخر الساخرون، أو استهزئ المستهزئون.

العمل ينفع بإذن الله، قال صلى الله عليه وسلم: (ما منكم من أحدٍ إلا سيكلمه ربه ليس بينه ويبنه ترجمان، فينظر أيمن منه) أنت أيها المسكين! ستقف بين يدي الله جبار السماوات والأرض الذي تكون الأرض الكرة الأرضية بقاراتها، بأشجارها ببحارها، بجبالها، بمخلوقاتها، بطيورها، بوحوشها، ببهائمها، الكرة وما عليها في قبضة الجبار جل وعلا: وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [الزمر:67].

أنت أنت أيها المسكين! تقف بين يدي ربك، سيكلمك الله ليس بينك وبينه ترجمان، فتنظر أيمن منك فلا ترى إلا ما قدمت، وتنظر أشأم منك فلا ترى إلا ما قدمت، فتنظر بين يديك فلا ترى إلا النار تلقاء وجهك، يقول صلى الله عليه وسلم: (فاتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة).

وقد قلّ ذكر النار في مجالسنا، وقلّ ذكر النار في نوادينا، وقلّ ذكر النار في لقاءاتنا، ما أكثر ما مدحنا بعضاً، وتزينا لبعض، وأثنينا على بعض، وبحثنا وتناقشنا وقررنا وحللنا ورجحنا ورأينا وما أقل ما ذكرنا النار، هذه النار التي خشيها الصالحون الذين بلغوا أعمالاً صالحة، علي بن أبي طالب يراوح بين قدميه من طول القيام، ويقول: [لقد أدركت صحب محمدٍ صلى الله عليه وسلم والواحد منهم في جباههم مثل ركاب المعز من طول السجود] يراوحون بين أقدامهم من طول القيام في الليل والنهار، فإذا ذكرت النار، ماجوا وخافوا واضطربوا كأنما النار إنما خلقت لهم، أما نحن فقد جمعناً حشفاً وسوء كيلة، سوء عمل، وطول رجاء وأمل، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

هناك أمنية سيتمناها الرجل والمرأة، ويتمناها الذكر والأنثى، والصغير والكبير: حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ [المؤمنون:99-100] ما من عبدٍ إلا ويكون مغبوناً يوم القيامة، إن كان صالحاً رأى الغبن، لماذا لم يكن تزود أكثر مما فعل؟ وإن كان فاسداً ضالاً، أو كافراً مشركاً، رأى الغبن أن فرط ولم يجب داعي الله سبحانه وتعالى.

إن هذه الأمنية ربما تمناها كافرٌ، وهو ما تمناه أهل النار حينما يُلقون فيها، قال تعالى: وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ [فاطر:37] الله أكبر: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ [فاطر:37].. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ [يونس:91] الآن لما رأيت النار، الآن لما وقفت على الصراط، الآن لما رأيت زبانية جهنم، الآن لما ودعت الدنيا، أين كنت يوم كنت قادراً، يوم كنت قوياً، يوم كنت عداءً سباقاً، يوم كنت مصارعاً جلداً، يوم كنت بصيراً حديداً، يوم كنت فصيحاً منطيقاً، يوم كنت لجوجاً حجوجاً، يوم كنت فارساً شجاعاً، أين كنت عن عبادة الله ؟ أين كنت عن طاعة الله؟ ما الذي أشغلك: سهرٌ بليل، معصية، مصيبة، داء وبيل؟ ربما ابتلاك الله بالعافية فلم تعرف:

قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت     ويبتلي الله بعض القوم بالنعمِ