أيها العبد! أيها المسكين! أيها الإنسان! أيها الفتى والفتاة! أيها الرجل والمرأة! أيها الكبير والصغير! أيها الوزير والأمير! أيها الصعلوك والحقير! أيها العبد المسكين.

مضى أمسك الباقي شهيداً معدلا     وأصبحت في يومٍ عليك جديدُ

فإن كنت بالأمس اقترفت إساءةً     فثنِ بإحسانٍ وأنت حميدُ

فيومك إن عاينته عاد نفعه     إليك وماضي الأمس ليس يعود

ولا ترج فعل الخير يوماً إلى غدٍ     لعل غداً يأتي وأنت فقيد

 اعمل قبل أن تعجز  

فكم من نفسٍ رجت أمراً وعجزت عن بلوغه فما أدركته، رجل أعرفه أحسبه من الصالحين، يحدثني ولده يقول: خرجت في رمضان المنصرم مع والدي من المسجد بعد صلاة المغرب، أفطرنا في البيت، وخرجنا إلى المسجد، وصلينا، وخرجنا من الصلاة، قال: فالتفت إليَّ والدي، وقال: يا ولدي فلان، الله أكبر كم من نفس لم تبلغ هذا الشهر، قال: فقلت: صدقت يا أبي! أين فلان وفلان ممن نعرفهم؛ ماتوا وما بلغوا هذا الشهر، قال: ثم التفت إليَّ أخرى، وقال: يا ولدي، وكم من نفسٍ لم تُكمل هذا الشهر، وكان هو رحمه الله ممن لم يُكملوا هذا الشهر، مات في يوم تاسع أو عاشر رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا به في الجنة، فقد علمته رجلاً من أهل الخير والصلاح.

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل) وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول: [إذا أمسيت، فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك] رواه البخاري.

فهذا أصلٌ جليلٌ عظيمٌ في قِصر الأمل في الدنيا، وينبغي للعبد أن يُعد، وأن يجهز، وأن يجمل داره في الآخرة حتى يتهيأ للانتقال والرحيل إليها بإذن الله جل وعلا.

أيها الأحبة! إن من زين داراً، واشتغل بها، وجملها، وطيبها، اشتاق إلى أن يرتحل إليها، وإن من خرب داراً، كره أن ينتقل إليها، ولو أن واحداً منكم أُعطي أرضاً، فحفر بها بئراً، وغرس بها نخلاً، وشق فيها أنهاراً، وجعل عليها سوراً وجداراً، وجعل فيها أزهاراً وأشجاراً، وجعل فيها حدائق وجنات، وطيبها بكل ما تُزين به الحدائق والبساتين.. أتظنونه يُهملها؟ سترونه في كل يوم يزورها، ويعتني بها، ويسوؤه أن ينقطع الماء عنها، ويسوؤه أن يخرب شيء من ثمارها وأشجارها، ولا يتركها نهبةً لمن أراد أن يدخلها، أو يعبث فيها.

ولو أن آخر أعطي أرضاً فتركها، ولم يغرس بها نخلاً، ولم يحفر بها بئراً، ولم يجعل فيها شجرة، ولم يجعل لها سوراً، ثم قيل له: إن بني فلان أناخوا رواحلهم وأباعرهم فيها، فإنه لا يتأثر، لو قيل له: إن تلك الأرض أصبحت تُرمى فيها القمامات والزبالات ما يتأثر، لأنه ما تعب فيها.

فكذلك الآخرة إذا اعتنينا بمواقعنا فيها، نغرس فيها أعمالاً صالحةً، نحفر فيها آبار العمل الصالح والأوقاف النافعة، نبني عليها أسواراً منيعة، نحصنها بالتوبة وبالذكر وبالاستغفار، فإنها تهمنا، وإذا جاءت ملائكة الموت تنقلنا إلى هذه الدور التي طيبناها وغرسناها وزيناها، رضينا وفرحنا أن ننتقل إليها، أما عبدٌ ضيع آخرته، فلا شك أنه يكره أن ينتقل إليها، ولذلك قيل للحسن البصري : لماذا نحب الدنيا ونكره الموت؟ فقال: [لأنكم عمرتم الدنيا، وخربتم الآخرة، فتكرهون أن تنتقلوا من العمار إلى الخراب].

 استعد بيومك لغدك  

أيها الأحبة! الواجب أن الإنسان يستعد لنفسه، يقول ابن عمر : [خذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك] أي: اغتنم الأعمال الصالحة في صحة قبل سقم، وفي حياة قبل موت، لعلك غداً من الأموات دون الأحياء.

كان صلى الله عليه وسلم يقول: (ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثل الدنيا كمثل راكبٍ قَالَ -من القيلولة- في ظل شجرة، ثم راح وتركها) نام وقت المقيل في ظل شجرة ثم راح وتركها.

وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: [إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكلٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل] وقال يحيى بن معاذ الرازي: [الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها لم يُفق إلا في عسكر الموتى نادماً مع الخاسرين].

تخرب ما يبقى وتعمر ثانياً     فلا ذاك موفورٌ، ولا ذاك عامرُ

وهل لك إن وافاك حتفك بغتةً     ولم تدخر خيراً لدى الله عاذرُ

أترضى بأن تفنى الحياة وتنقضي     ودينك منقوصٌ ومالك وافرُ

ماذا ينفعك أن تموت ووراءك مليار دينار، وليس أمامك إلا آلاف السيئات وآحاد الحسنات؟ والله ما يسرك لو خلفت أموال الدنيا وقد أقبلت بسيئات لا قبل لك بها، نسأل الله أن يتغمدنا برحمته.

قال المروذي: قلت لـأبي عبد الله - يعني: أحمد-: أي شيء الزهد في الدنيا؟ قال: قِصر الأمل، من إذا أصبح قال: لا أمسي.

وقال بكر المزني: إذا أردت أن تنفعك صلاتك، فقل: لعلي لا أصلي غيرها.

أي: قد تكون هي الصلاة الأخيرة، وقد يفاجئني الموت بعدها، وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً: [ما من ميتٍ يموت إلا ندم قالوا: وما ندامته؟ قال: إن كان محسناً ندم ألا يكون زاد، وإن كان مسيئاً ندم ألا يكون استعتب] أي: طلب العتبى وتاب ورجع إلى الله.

فإذا كان الأمر على هذا، فيتعين علينا جميعاً ذكوراً وإناثاً، شباباً وشيباً، صغاراً وكباراً أن نعود إلى الله، أن نرجع إلى الله، كفانا غفلة، بلغنا من العمر ثلاثين في غفلة، بلغنا أربعين في غفلة، بلغنا خمسين في غفلة، فمتى الرجوع؟ ومتى التوبة؟ ومتى العودة والإنابة؟

قال سعيد بن جبير: [كل يومٍ يعيشه المؤمن غنيمة].

وقال بكر المزني : ما من يومٍ أخرجه الله إلى الدنيا إلا يقول ذلك اليوم: يا بن آدم.. اغتنمني لعله لا يوم لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: يا بن آدم.. اغتنمني لعله لا ليلة لك بعدي، قال البخاري رحمه الله:

اغتنم في الفراغ فضل ركـوعٍ     فعسى أن يكون موتك بغته

كم صحيحٍ رأيت من غير سقمٍ     ذهبت نفسه الصحيحة فلته

ويقول القائل:

تزود من الدنيا فإنك لا تدري     إذا جنَّ ليلٌ هل تعيش إلى الفجرِ

فكم من صحيحٍ مات من غير علةٍ     وكم من سقيمٍ عاش حيناً من الدهر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ