ابراهيم مصطفى

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد

إن اختيار أمير المؤمنين عمر الفاروق لبدء تاريخ هذه الأمة

بهذا الحدث العظيم كان في غاية التوفيق وكان له مغزًى عميقٌ يلفت به أنظار الأمة في كل جيل إلى أن لحظة فارقة وحاسمة من رسول الله – صلى الله عليه وسلم- في غار ثَوْرٍ غَيَّرَتْ مجري الأمة، ورتب عليها رَبُّ العزة نَصْرَهُ وتأييده تلك اللحظة التي رد فيها على الصِّدِّيقِ حين تخوف من أن ينظر أَحَدُهُمْ تحت قدميه فيراهما بقوله: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}(التوبة: من الآية40) في هذه اللحظة التي استحضر فيها نبينا معية الله وعنايته كان التأييد الفوري من مالك الْقُوَى وَالْقُدَرِ.

والْأُمَّةُ المسلمة لديها رَصِيدٌ ضَخْمٌ من تاريخها العريق ومن سيرة قائد مسيرتها ومُفَجِّرِ طاقاتها، ومُجَمِّعِ فصائلها وموحد كلمتها، ومرشدها إلى الإدراك الواعي لسُنَنِ الكون ونواميسه التي لا تجامل ولا تستثني..

وكلما هَلَّ هِلَالُ المحرم من كل عام تذكرت الأمة – أو يجب عليها أن تتذكر– أن تَقْوِيمَهَا القمري مَنْسُوبٌ إلى حادث الهجرة النبوية من البلد الأمين إلى حِصْنِ الأنصار والمهاجرين..

الرسول القدوة في حب الوطن:

لما كان الخروج من الوطن قاسيًا على النفس، فقد كان من فضائل المهاجرين أنهم ضحوا بأوطانهم هجرةً في سبيل الله، وفي سنن الترمذي بإسناد صحيح: عن عبد الله بن عدي قال: رأيت رسول الله ? واقفًا على راحلته فقال: ” إنكِ لخيرُ أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجت منك ما خرجت “.

وأخرج الترمذي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في ” الشعب “، والمقدسي في ” المختارة ” بسندٍ صحيح من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَكَّةَ: «مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلْدَةٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ أَخْرَجُونِي مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» قال العيني- رحمه الله-: ” ابتلى الله نبيه بفراق الوطن “. ومن دعاء رَسُولَ اللَّهِ- صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :«اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ، أَوْ أَشَدَّ وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ» ( البخاري )

الهجرة والإيجابية:

المسلم يؤثِّر ويتأثَّر بما حوله، والسلبية تزلزل كيانَ المجتمعات وتؤدِّي إلى انهياره، وهذا ما أكده رسولُنا – صلى الله عليه وسلم – محذِّرًا من السلبية وخطرها؛ فعن النعمان بن بَشِير – رضي الله عنهما- عن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: «مَثَل القائمِ في حدود الله والواقع فيها، كمثلِ قوم استهموا على سفينة فصار بعضُهم أعلاها وبعضُهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استَقَوا من الماء مرُّوا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنّا خَرَقْنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ مَن فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا، هَلَكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوا ونَجَوا جميعًا» ( أخرجه البخاري).

هذه الإيجابية هي خط الدفاع الأول للحفاظ على كيان الدولة الإسلامية، وهي منهج حياة المسلم، قال صلى الله عليه وسلم: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيدِه، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم).

وهذه الإيجابية نراها واضحةً في أحداث الهجرة، حيث جعل النبي صلى الله عليه وسلم لكل المجتمع دورًا (الشباب، والشيوخ، والنساء).

الهجرة والتضحية في سبيل الله:

هذا نداءٌ بالتضحية والنَّفْرَةِ في سبيله:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ  فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ}[التوبة: 38] وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ } [التوبة: 111].

النبيُّ خَيْرُ مَنْ ضَحَّى في سبيل الله: فها هو النبي يترك أهله وبلده وهي أحبُّ البلاد إلى الله وإليه، وكل ما يملك، فعن ابن عباس قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة قال: "أما والله لأخرج مِنْكِ وإني لأعلم أنكِ أَحَبُّ بِلَادِ الله إليَّ، وأكرمه على الله، ولولا أن أَهْلَكِ أخرجوني ما خرجت» (رواه أبو يعلى في مسنده).

صِوَرٌ للبذل والتضحية في الهجرة: لما كان الرسول هو المثل الأعلى في التضحية، فقد تَعَلَّمَ أَتْبَاعُهُ منه خَيْرَ تعليم فجعلوا يضربون أفضل النماذج للهجرة، وإليك نماذج من تضحياتهم:

أولاً: نموذج تضحية أبي بكر الصِّدِّيقِ رضي الله عنه بالمال وبالنفس من أَجْلِ طاعة الله والهجرة مع رسول الله واحتمالات تعرضه لكل أنواع الأذى والمخاطر في نفسه وفي أهله وفي أولاده. ومن ذلك يجب على العاملين في حقل الدعوة الإسلاميـة أن لا يبخـلوا على دعـوة الله بكل عَزِيـزٍ لديهم؛ حتى يكونوا صادقين مع الله الذي خلقهم ورزقهم واختارهم لدعوته وهذا شَرَفٌ عَظِيمٌ.

ثانيًا: التضحية بالنفس:

وأَبْرَزُ مثال عليه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه حيث نام في فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يفديه بنفسه.

ثالثًا: نموذج تضحية أسماء بنت أبي بكر وهي تحمل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى أبيها وتعرضها لإيذاء الكفار والمشركين. وفي هذا النموذج دروس للنساء المسلمات العاملات في الدعوة وبيان دورهن الهام بأن ينلن شرف التضحية من أجل نشر دعوة الإسلام.

رابعًا: نموذج تضحية عبد الله بن أبي بكر وهو يحمل المعلومات إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى والده في الغار وتعرضه لإيذاء الكفار.

خامسًا: نموذج تضحية الأنصار بمالهم لنصرة إخوانهم المجاهدين في سبيل الله وفيهم نزل قول الله تبارك وتعالى:{ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}( الحشر: 9)

سادسًا التضحية بالولد: ومن أبرز التضحيات بيت أبي سلمة؛ حيث كان من أول المهاجرين هو وزوجته وابنه، فقد هاجر قبل العقبة الكبرى بِسَنَةٍ على ما قاله ابن إسحاق، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره‏: ‏ هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه‏؟‏ علام نتركك تسير بها في البلاد‏؟‏ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا‏: ‏ لا نترك ابننا معها إذ نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به‏.‏ وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة‏، وكانت أم سلمة رضي الله عنها وبعد ذهاب زوجها وضياع ابنها تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي، ومضى على ذلك نحو سنة، فَرَقَّ لها أَحَدُ ذَوِيهَا وقال‏: ‏ ألا تُخْرِجُونَ هذه المسكينة‏؟‏ فَرَّقْتُمْ بينها وبين زوجها وولدها، فقالوا لها‏: ‏ الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة.

سابعًا التضحية بالمال: حيث هاجر صُهَيْبُ بْنُ سِنانٍ الرومي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أراد الهجرة قال له كُفَّارُ قريش‏: ‏ أتيتنا صُعْلُوكًا حقيرًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تَخْرُجَ بمالك ونفسك‏؟‏ والله لا يكون ذلك‏.‏ فقال لهم صهيب‏: ‏ أرأيتم إن جعلت لكم مالي أَتُخَلُّونَ سَبِيلِي‏؟‏ قالوا‏: نعم، قال‏: ‏ فإني قد جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏: ‏(‏ربح صهيب، رَبِحَ صهيبٌ)‏‏، وفيه نزل قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}( البقرة: 207 ).‏

إن للتضحيات دوراً كبيراً في بناء الأمم ونهضتها والحصول على حريتها. ما أكثر من يموت لكن شتان بين من يموت على فراشه أو في سبيل شهواته وبين مَنْ يموت في سبيل دينه وعقيدته وحريته دفاعًا عن وطنه، هذه هي التضحية التي نريدها بذل النفس والمال والوقت والحياة وكل شيء في سبيل الغاية، وليس في الدنيا جهاد لا تضحية معه.

أسس بناء المجتمع المسلم المعاصر:

الأساس الأول : المسجد

الأساس الثاني : المؤاخاة

الأساس الثالث : الوثيقة التي تنظم علاقة المسلمين بغيرهم

الأساس الأول: المسجد:

لقد كانت هجرة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة، تعنى إنشاء أول دار إسلام إذ ذاك على وجه الأرض، وعندما وصل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- إلى قباء واستقبله من فيها أسس النبي – صلى الله عليه وسلم – مسجد قباء وهو المسجد الذي وصفه رب العباد بقوله: { لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}(التوبة: من الآية: 108) ، ثم واصل النبي – صلى الله عليه وسلم – سيره إلى المدينة فأقام فيها المسجد الجامع ذلك لأنه أهم ركيزة في بناء المجتمع الإسلامي، الذي يكتسب صفة الرسوخ والتماسك بالتزام نظام الإسلام وعقيدته وآدابه.

مكانة المسجد في المجتمع المسلم

1- المسجد مكان لأداء الصلوات الخمس والجمع.

2- المسجد مدرسة للتعليم والتثقيف.

3- المسجد دار لإيواء الفقراء.

4- المسجد دار للشورى.

5- المسجد ودوره في إصلاح المجتمع.

الأساس الثاني : المؤاخاة

لقد جعل الرسول – صلى الله عليه وسلم – هذه الأخوة عقدًا لا لفظًا فارغًا، وعملًا يرتبط بالدماء والأموال، لا تحية تثرثر بها الألسنة ولا يقوم لها أثر.

إن النبي – صلى الله عليه وسلم – بهذا أنهى مظاهر الطبقية، وأوجد مجتمعًا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا ، تقوم فيه أخوة الدين مقام أخوة النسب.

قال تعالى:{ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10), وقال تعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 71).

وعن عَبْد اللَّهِ بْنِ عُمَرَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (متفق عليه واللفظ للبخاري).

وعن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَى طَلْحَةَ بْنِ سَهْلٍ الأَنْصَارِيَّيْنِ قالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم:« مَا مِنْ أَحَدٍ يَخْذُلُ مُسْلِمًا في مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِى مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ فِى مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ ». البيهقي في السنن والشعب، والطبراني، وعَنِ ابْنِ أَبِى الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: نَالَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَدَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:« مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ كَانَ لَهُ حِجَابًا مِنَ النَّارِ ». الترمذي وأحمد والبيهقي وغيرهم، وعَنْ أَسْمَاءَ بنتِ يَزِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:(مَنْ ذَبَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ). (الطبراني).

الأساس الثالث : وثيقة المدينة

إن وثيقة المدينة التي كانت بين الرسول صلى الله عليه وسلم واليهود أقدم وثيقة سياسية تضمن حقوق الأقليات في التاريخ، وتدل هذه الوثيقة على سماحة الإسلام وأن حضارته تقوم على الاحتواء لا الاقصاء مع المخالفين في الدين ولم يكن هذا معهوداً عند أحد من الناس ولا في نظام من الأنظمة وأقرب نموذج هو موقف الهيئة السياسية الحاكمة في مكة من دعوة الإسلام حيث الطرد والإخراج.

مبدأ التعايش السلمي:

لقد اتجهت الحكمة النبوية إلى رسم سياسة المعايشة بين المسلمين وبين غيرهم، على مبادئ سامية، وأخلاق فاضلة، وأحكام عادلة، فعقد – صلى الله عليه وسلم – معاهدة تعتبر من أهم الوثائق الدينية والسياسية التي حفظها لنا التاريخ، ونحن هنا إزاء هدنة قوية دقيقة منقحة، بين أطراف ثلاثة متعايشة في المدينة ( المسلمين، واليهود، والمشركين) ترسم حقوق كل طرف وتحدد له تبعاته، كما تحدد علاقات الأطراف ببعضها، ومسؤولياتها إزاء أي اعتداء يقع على هذا البلد من الخارج.

إن أساس الدولة الإسلامية، قائم على العدالة الاجتماعية، وأن أساس العلائق بين المسلمين وغيرهم هو السلم ما سالموا، وإن مبدأ الحق والعدل، والتعاون على البر والتقوى والعمل لخير الناس، ودفع أذى الأشرار عن المجتمع، وإن الإسلام يقيم العلاقة بين أبنائه المسلمين وبين مواطنيهم من غير المسلمين على أسس وطيدة من التسامح والعدالة والبر والرحمة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ