أرسل عبد الله بن المبارك -وكان مرابطاً بطرسوس- كتاباً إلى فضيل بن عياض الذي يلقب بعابد الحرمين يقول له:

يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب.

من كان يخضب خده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب

أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الصبيحة تتعب.

ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب.

ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب.

لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ وغبار نار تلهب.

هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب.

فلما وصل الكتاب إلى فضيل بن عياض بكى، وقال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح، ثم قال للرسول: أتكتب الحديث، قال: نعم، قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبي عبد الرحمن إلينا، ثم أملاه بسنده رواية لحديث أبي هريرة: (أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال أبو هريرة: إن فرس المجاهد ليستن في طوله -أي: يحرك قدميه في موضع ربطه- فيكتب للمجاهد حسنات).

فأعلى تجارة وأغلى تجارة هي التجارة ببذل النفس والمال لله عز وجل، تجارة بالجهاد في سبيل الله عز وجل، وكل معاملة شرعية مع الله عز وجل وكل عبادة لله عز وجل فهي تجارة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ} [فاطر:29].

فكل عبادة لله عز وجل فهي تجارة مع الله عز وجل، وكل تجارة مع الله عز وجل لا يمكن أن تبور بحال من الأحوال، والدنيا -عباد الله- سوق والناس كلهم تجار، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سوق قام ثم انفض، ربح فيه من ربح، وخسر من خسر، كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها).

ـــــــــــــــــــ