عبدالسميع الأنيس

تأمَّلتُ دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ((... اللهم إني أعوذُ بك من ضيقِ الدنيا ...))[1].

وقلت: لماذا كان عليه الصلاة والسلام يدعو بهذا الدعاء إذا هبَّ من الليل، ويُكرِّره عشر مرات؟

فرأيت أنه يُرشدنا إلى مدى حقارة الدنيا وهوانها وضيقِها أمام سَعَة الجنة ونعيمها.

‏كما بدا لي أن سبب ضِيق الدنيا الذي استعاذ منه النبيُّ صلى الله عليه وسلم جاء في دعاء آخر، وهو: ((... وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك ...))[2].

فلقاءُ الله سبحانه على المحبة والرضا يُنسي اﻵلام، وينقُلُ اﻹنسانَ إلى النعيم الذي لا ينفد.

ثم قال صلى الله عليه وسلم: ((في غير ضرَّاءَ مضرَّة، ولا فتنةٍ مُضِلَّة)).

وهذا احتراز عن أن يكون الشوق إلى لقاء الله سببُه ضررٌ أو فتنة لَحِقت بالعبد، بل يسأل اللهَ شوقًا إليه، سببُه حبُّه سبحانه وتعالى، ورجاء ما عنده من الفضل.

قال ابن رجب:

"وإنما قال: ((من غير ضرَّاء مضرَّة، ولا فتنةٍ مضلَّة))؛ لأن الشوق إلى لقاء الله يستلزم محبَّةَ الموت، والموت يقع تمنِّيه كثيرًا من أهل الدنيا بوقوع الضراء المضرَّة في الدنيا، وإن كان منهيًّا عنه في الشرع، ويقع من أهل الدِّين تمنِّيه لخشية الوقوع في الفتن المضلَّة، فسأل تمنِّيَ الموت خاليًا من هذينِ الحالين، وأن يكون ناشئًا عن محض محبة الله، والشوق إلى لقائه، وقد حصل هذا المقامُ لكثير من السلف".

ثم أتى بأمثلة، وهي:

1- قال أبو الدرداء: "أحبُّ الموت اشتياقًا إلى ربي".

2- وقال أبو عتبة الخولاني: "كان إخوانكم لقاءُ الله أحب إليهم من الشَّهد".

3- وقالت رابعة: "طالت عليَّ الأيام والليالي بالشوق إلى لقاء الله"[3].

ومن النماذج أيضًا:

4- كان ذو النون المصري يقول: "الشوق أعلى الدرجات، وأعلى المقامات، إذا بلغها العبدُ استبطأ الموت؛ شوقًا إلى ربه، وحبًّا للقائه والنظر إليه"[4].

5- وقال صالح المرِّي: "رأيتُ ريحانة المجنونة، وقد كتبتْ من وراء جيبها:

أنت أُنسي ومُنْيَتي وسروري

قد أبى القلبُ أن يحبَّ سِواكَا

يا عزيزي ومُنْيَتي واشتياقي

طال شوقي متى يكون لقاكَا"[5].

6- وقال ابن القيم رحمه الله:

"إن صدق التأهُّب للقاء الله هو مِفتاح جميع الأعمال الصالحة، والأحوال الإيمانية، ومقامات السالكين، ومنازل السائرين إليه"[6].

7- إن محبة الله سبحانه أجمل شيء في الحياة، وفيها نجد السَّكينة والطُّمأنينة، والسبب أن هذا الإله الذي نحبُّه قريب من أحبابه على الدوام، قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].

ولهذا؛ فإن المحبَّ لا يخشى فراقًا؛ لأن الله دائمًا معه، قال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾ [الحديد: 4].

وصدق القائل:

سكَنَ الفؤادُ فعِشْ هنيئًا يا جسدْ ♦♦♦ ذاك النعيمُ هو المقيمُ إلى الأبدْ

10- أما الحب إذا انصرف لغير الله، فإن المحبَّ يعيش في شقاء دائم، وبكاء ونحيب، واكتئاب وقلق، وقد عبَّر عن هذه الحقيقة أحدُ مَن ابتلي به، فقال:

وما في الأرضِ أشقى من محبٍّ

وإن وجد الهوى حُلوَ المذاقِ

تراه باكيًا في كل وقت

مخافةَ فُرقةٍ أو لاشتياقِ

فيبكي إن نأَوْا شوقًا إليهم

ويبكي إن دنَوْا خوفَ الفراقِ

فتسخن عينُه عند التنائي

وتسخنُ عينُه عند التلاقي

ولكن ما هو السبيل للوصول إلى هذا المقام العالي الكريم؟

هناك عدة أسباب، لعل من أهمها:

1- التقرب إلى الله بما يحب:

قال ابن تيميَّة: "ليس للقلوب سرورٌ ولا لذَّةٌ تامَّة إلا في محبَّة الله، والتقرُّب إليه بما يحبُّه، ولا تمكن محبَّته إلا بالإعراض عن كلِّ محبوبٍ سواه، وهذا حقيقةُ لا إله إلا الله ..."[7].

2- المواظبة على العبادات:

قال ابن تيمية: "والمقصود بالعبادات التي أمرت بها الرسل تكميلُ النفس بمحبة الله تعالى وتألهه"[8].

3- ذكر الله تعالى على الدوام، قال الغزالي: "الذِّكرُ سببُ انبعاث الشوق"[9].

ـــــــــــــــــــــــــــــ

[1] جزء من حديث نبوي، هذا نصُّه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا هبَّ مِن الليل كبَّر عشرًا، وحمد عشرًا، وقال: سبحان الله وبحمده، عشرًا، وقال: سبحان الملك القدوس، عشرًا، واستغفر عشرًا، وهلَّل عشرًا، ثم قال: ((اللهم إني أعوذُ بك من ضيقِ الدنيا، وضيقِ يوم القيامة، عشرًا))، ثم يفتتح الصلاة)؛ أخرجه أبو داود في سننه، وإسناده صحيح.

[2] جزء من حديث رواه أحمد في المسند: (30/265)، والنسائي في السنن رقم: (1305)، ونصُّه: عن قيس بن عبَّاد قال: صلَّى عمار بن ياسر بالقوم صلاة أخفها، فكأنهم أنكَروها، فقال: ألم أتمَّ الركوع والسجود؟ قالوا: بلى، قال: أما إني دعوت فيها بدعاء كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو به:

((اللهم بعلمِك الغيبَ، وقدرتك على الخلق، أحيني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي.

اللهم وأسألك خشيتَك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمةَ الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى.

وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطعُ، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت.

وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك، في غير ضرَّاء مضرة، ولا فتنة مضلة، اللهم زينَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداة مهتدين)).

[3] انظر رسالته: "شرح حديث لبيك اللهم لبيك" (ص: 95).

[4] شعب الإيمان؛ للبيهقي (1/ 379).

[5] شعب الإيمان؛ للبيهقي (1/ 376).

[6] طريق الهجرتين ص: ١٧٧.

[7] مجموع الفتاوى: 28/38.

[8] الرد على المنطقيين ص: ٤٦٠.

[9] الإحياء 4: 425.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ