مصطفى الطحان

للأخ العامل واجبات، مطالب أن يستكملها، حتى يستحق شرف الانتساب إلى صفوف العاملين الصادقين من أبناء الدعوة العظيمة، وهي أن يكون:

قوي الجسم

والجسم هو الوسيلة لبلوغ الأهداف السامية.. فالعبادات.. وجميع الأعمال.. والفكر الصحيح.. والعقل السليم.. إنما تكون في الجسم السليم.. فعلى الأخ المسلم أن يأخذ نفسه بأسباب الصحة والإعداد والقوة فالمسلم القوي أحب إلى الله من المسلم الضعيف.

متين الخلق

والخلق فطرة الإنسان السوي. وضعت بذرته الرسالات.. وبُعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لاستكمال شجرته.. وعندما تُثني العناية الإلهية على معلم الخير، تصفه بأنه على خلق عظيم.. وتصفه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فتقول: (كان خلقه القرآن)..

والداعية لابد أن يكون خلوقا.. يستوعب الناس ويصبر على أذاهم.. وإذا فقد الداعية خلقه فلن ينفعه علمه أو عمله.. (قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون) [1].

(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) [2].

مثقف الفكر

ويكون الفكر بالمعرفة.. والمعرفة تكون بالقراءة.. والقراءة تكون باسم الله الذي خلق.. ولا يستوي في كل العصور الذين يعلمون والذين لا يعلمون.. والأخ الداعية يحتاج إلى توسيع مداركه ومدّ معارفه لتشمل علوم الدنيا والدين..

وإذا كانت علوم الدين هي الأساس الذي يقوم عليه البناء الفكري للإنسان، فإن علوم الحياة هي التي تسخّر للإنسان ما في السماوات والأرض وتزيده إيمانا على إيمانه ويقينا على يقينه.. (إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ) [3].

قادرا على الكسب

ولقد أثنى النبي صلى الله عليه وسلم على العامل الكاسب.. ونهى عن السؤال المعيب.. واعتبر الكسب الحلال لصيانة الأسرة وإعفافها نوعا من الجهاد في سبيل الله.. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده).

ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (يقعد أحدكم عن طلب الرزق وهو يقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة).

وفي الحديث: (لا يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم).

والأخ الداعية الذي يريد أن يلتحق بركب الدعوة العظيمة.. عليه أن يكون عاملا نشيطا كاسبا، يده الأعلى.. وكسبه الأوفى.. ينظر لدعوته بعين عزيمته.. وتشمخ دعوته بعزم الدعاة الصادقين العاملين.

سليم العقيدة

أدام النظر، وأعمل الفكر، واستعان بطاعة الله وامتثال أمره وإحسان

عبادته، فأشرقت مصابيح الهداية في قلبه فرأى بنور بصيرته ما أكمل إيمانه وأتمّ يقينه وثبّت فؤاده (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم) [4].

وأن يوقن بأن المعين الصافي الذي يتزود منه بالعلم والمعرفة عن العقيدة الإسلامية هو كتاب الله الكريم وسنة نبيه المعصوم صلى الله عليه وسلم، فإن غمّ عليه شيء فليرجع إلى ما قاله السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين[5].

صحيح العبادة

يتعبد الله تعالى وفق ما شرع، وكما بين عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة وسيرته المباركة، (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [6].

والعبادة هدف في ذاتها، وهي وسيلة كذلك من باب أنها عمل صالح يتقرب بها العبد إلى الله، (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [7].

وكل عمل أو ترك يمارسه الإنسان بنية التقرب إلى الله، والتقوي على طاعته فهو عبادة مشكور مأجور صاحبها بفضل من الله ورحمة.

والأخ الداعية.. هو الذي يعبد الله وفق شرعه.. ويبتغي في كل عمله مرضاة ربه.

مجاهدا لنفسه

والنفس أمارة بالسوء إلا من رحم الله، ومجاهدتها ومنعها من ممارسته واجب شرعي.

ومن مجاهدة النفس التقرب إلى الله بالطاعات، عن أبي فراس الأسلمي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أهل الصُّفة  رضي الله عنه قال: (كنت أبيت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فآتيه بوَضوئه وحاجته، فقال: (سلني) فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: (أغير ذلك)؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) [8].

وجهاد النفس في مجال التربية درجات وأنواع:

فهناك جهادها كي لا تقع في الشر أو المعصية.

وهناك جهادها كي لا تستسلم للقعود والتخلي عن واجبها في الدعوة إلى الله والتقرب منه.

وهناك جهادها بمعنى عدم تركها على حالة من السلبية لا تفعل الخير ولا تنشط إليه[9].

وهناك النفس التي تقتصد في فعل الخير، وتكتفي منه بالحد الأدنى، وجهادها حثها وتشجيعها على الاستزادة من الخير.

والأخ الداعية.. هو الذي يفتش نفسه فيحاسبها قبل الحساب ويزنها قبل أن توزن عليه.

حريصا على وقته

وتنظيم الوقت والاستفادة منه.. هو فعل الإنسان الجاد المتحضر.. وفي المكتبات الآن الكثير من الكتب التي تتكلم في إدارة الوقت وتنظيمه، وتحث الإنسان على الاستفادة من وقته وعدم إهداره بما لا يفيد.. وهذا التصور هو الذي رفع الأمم الغربية وأوصلها إلى المكتسبات المادية التي هي عليها اليوم.

إن قلة عدد المسلمين في مكة، وضعف إمكاناتهم المادية، ومحاصرتهم ومطاردتهم وتعذيبهم حتى الموت، وملاحقتهم بالدعايات المضادة.. وأخيرا طردهم من بيوتهم وأملاكهم.. كل ذلك لم يحل بينهم، وبين التعبير عن أنفسهم بدولة كانت النموذج  الأرفع لكل دول العالم في الماضي والحاضر والمستقبل. فقد كانت إرادة التغيير والسمو والتجاوب مع منهج الله أقوى بكثير من إرادة الظلام والتخلف.

فهل يعتقد أحد أن هذه العشرات القليلة من المسلمين استطاعت أن تسجل كل هذه الانتصارات الباهرة باستهتارهم بالوقت..؟ وتزجيتهم الأيام بالأحلام.. أم أنهم حسبوا أعمارهم بالثواني.. ووضعوا كل ثانية في محلها.. وهم يرددون قول الرحمن: (إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب) [10].

واختلاف الليل والنهار هو الزمان.. وأولو الألباب هم المسلمون الذين يتحكمون بهذا الزمان لصالح أنفسهم ومجتمعهم والإنسانية جمعاء.

إن الله سبحانه وتعالى يقسم بالوقت: بالفجر والضحى والشمس والعصر والليل والنهار للدلالة على أهمية الوقت في حياة المسلم والمجتمع الإسلامي.

الأمم الناهضة تضع خططا خمسية أو عشرية.. تربط الواقع والمستقبل بالزمن.. ثم تحاسب نفسها على هذا الأساس.

الزمن يمضي ولا يعود.. وهو ما عبّر عنه الإمام الحسن البصري رضي الله عنه بقوله: (ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود منّي فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة) [11].

أخي المسلم الداعية

إذا كان الأمر كذلك، وللوقت كل هذه الأهمية، فعلى الداعية المسلم أن يعيد حساباته ويحدد أولوياته ويجعل تنظيم وقته من أهم العناصر في حياته العملية.

تنظيم وقت العمل، ووقت النوم، ووقت الطعام، ووقت الراحة، وتخصيص وقت للعلاقات الاجتماعية والأسرية.. وفي الأثر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ينبغي للعاقل- ما لم يكن مغلوبا على عقله- أن يكون له أربع ساعات: ساعة يناجي بها ربه، وساعة يحاسب بها نفسه، وساعة يتفكر في صنع الله عز وجل، وساعة يخلو فيها لحاجته) [12].. والداعية يدعو ربه في كل حين:

اللهم إنا نسألك صلاح الساعات، والبركة في الأوقات[13].

منظما في شؤونه

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان في أحسن تقويم.. وخلق السموات والأرض وسنّ لها نظاما يدهش العالمين.. وجعل النظام سمة الحياة الناجحة الموفقة.. تنحدر كلما اختل هذا النظام أو تعثر.. وتعلو بقدر التزامها بالنظام الرباني المتوازن الشامل المنسجم (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر، ولا الليل سابق النهار، وكل في فلك يسبحون) [14].

والداعية المسلم.. هو الذي يلزم نفسه بهذا النظام..

فيكون جزءا من النظام الكوني الدقيق..

فلا يضيع وقته بلا فائدة، ولا ينسى الأولويات لحساب الكماليات، ولا يؤخر عمل اليوم إلى الغد.. ولا يعتذر عن العمل الجاد بحجة عدم وجود الوقت... فإنه لا ينجز الأعمال إلا الرجل المشغول.. كل ما يحتاجه في معركة البناء أن يكون إنسانا جادا منظما.

نافعا لغيره

والمسلم عضو في الجسد الإسلامي.. فإذا كان عضوا سليما، كان الجسد قويا فاعلا.. ولقد عالج الإسلام قضية الفرد وحثه أن يكون إيجابيا نافعا لنفسه وللآخرين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق) [15].

وقال أيضا: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة) [16].

والأخ الداعية.. مطالب بما طالبه به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا: بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصر المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] المؤمنون - 1.

[2] الفرقان - 63.

[3] فاطر - 28.

[4] محمد - 17.

[5] ركن العمل - د. علي عبد الحليم محمود، ص- 33.

[6] الحشر - 7.

[7] الذاريات - 56.

[8] مسلم.

[9] ركن العمل (المرجع السابق)، ص- 37.

[10] آل عمران - 190.

[11] شخصية المسلم المعاصر - مصطفى محمد الطحان، ص- (213-214).

[12] ابن حبان في صحيحه.

[13] دعاء لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[14] يس - 40.

[15] مسلم.

[16] الشيخان.

ـــــــــــــــــــــــ