قال الله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)} [سورة المؤمنون]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِتَمَامِ مكارمِ الْأَخْلَاقِ، وكَمَالِ مَحَاسِنِ الْأَفْعَالِ" (الطبراني في الأوسط عن جابر بن عبد الله بإسناد حسن)

لا شك أن الأخلاق هي أساس التدين، ومن كانت أخلاقه جميلة فتدينه جميل، لكن بعض الناس يسيئون للتدين من خلال سوء أخلاقهم؛ فرغم التزامهم الصارم بالعبادات وبالمظاهر الدينية إلا أنهم لا يدركون أن الإنسان المتدين هو الإنسان الخلوق.

في حوار سريع دار بيني وبين موظف في إحدى المؤسسات الكبيرة عن بلادة بعض الموظفين وإساءتهم للمؤسسة وظلمهم للمراجعين، قال هذا الموظف: العدالة فقط في السماء! فقلت له: ولماذا نرى العدالة في كثير من بلاد العالم مع أنها ليست من بلاد المسلمين؟! فسكت حائرًا.

من خلال هذا الحوار السريع البسيط، نجد أننا نعيش في أزمة.. أزمةٍ في الفكر وفي الأخلاق وفي التدين، وسأركز هنا على موضوع الأخلاق وعلاقتها بالتدين.

وأبدأ بهذه التساؤلات: هل بالضرورة أن يكون الإنسان المتدين إنسانًا خلوقًا؟ وهل هناك فرق بين الدين والأخلاق؟ وهل ينجح الإنسان ويتقدم إذا كان خلوقًا -حتى وإن كان غير مسلم أصلًا- فضلًا عن أن يكون غير متدين؟

إن الذي يقرأ في سيرة الرسول الكريم يجد أن رسالته السامية لم تخرج عن الأهداف الأربعة التالية:

1 ـ إخراج الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهداية في ظل توحيد الله، وفي ظل التجرد من كل عبودية لغيره.

2 ـ تخليص الناس من رذائل الأخلاق وشوائب السلوك، وتعزيز مشاعر الانتماء والمحبة والسلام.

3 ـ إنقاذ الناس من الاستبداد السياسي من خلال تحقيق مبادئ العدل والحرية.

4 ـ تهذيب النزعة المادية من خلال العمل على بناء نظام اقتصادي عادل متكامل يهدف إلى سعادة الناس ورفاهيتهم.

ولقد بدأ رسول الله فعلًا بتحقيق هذه الأهداف في حياته، واكتملت الصورة الزاهية لها في عهود الخلفاء من بعده -على تفاوت بينهم-. وذاقت البشرية طعم السلام الديني والعدالة الاجتماعية والحرية الفكرية، وأصبح الإنسان منتميًا إيجابيًا منتجًا سعيدًا.

وهذه البلاد التي تنعم بالرخاء اليوم، لا تكاد تخرج عن إطار هذه الأهداف السامية، على أن هذه البلاد استطاعت أن تتقدم بالأخلاق وبالعدالة رغم أنها ليست متدينة.

والأزمة التي يعاني منها كثير من المسلمين ليست نابعة من قلة التدين، لكنها نابعة من الفهم المشوه لطبيعة هذا الدين.. الدين الذي جعل الأخلاق أساسًا ومعيارًا للإيمان.

    الأزمة التي يعاني منها كثير من المسلمين ليست نابعة من قلة التدين، لكنها نابعة من الفهم المشوه لطبيعة هذا الدين.. الدين الذي جعل الأخلاق أساسًا ومعيارًا للإيمان

قال رَسُولُ اللَّه صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم: "إِنّ مِنْ أَحَبِّكُم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجلسًا يَومَ القِيَامَةِ، أَحَاسِنَكُم أَخلاقًا...". (رواه الترمذي عن جابر بن عبد الله وقال: حديث حسن)

وقال عبد اللَّه بن المباركِ في تَفْسير حُسْنِ الخُلُقِ: هُوَ طَلاقَةُ الوجه، وبذلُ المَعرُوف، وكَفُّ الأَذَى. (نزهة المتقين)

ومن المشاهد المؤلمة التي تواجهك –تقريبًا– في كل يوم: هذا الخلل في التدين؛ فتجد موظفًا كبيرًا في مؤسسة أو دائرة لا يتوانى عن تضييع حقوق الناس أو الاعتداء على المال العام، أو تاجرًا لا يراعي الحلال والحرام في كسبه وتجارته، أو سائقًا لا يفوت أية فرصة لاستغلال حاجة الناس، وتجد والدًا أو زوجًا ظالمًا غاشمًا أو ولدًا عاقًا عاصيًا، أو ترى إنسانًا متكبرًا ، أو تعامل إنسانًا كذابًا.

ثم بعد كل هذه المأساة الأخلاقية تجد هذا الإنسان لا يقطع فرضًا ولا يُفوّت نافلة ولا يقصّر في العبادة. فرغم أنه يكذب ويظلم ويسرق إلا أنه يصلي ويصوم، يصلي ويصوم عادةً أو رياءً أو نفاقًا.

فهل التدين الحقيقي يكون بأداء الشعائر التعبدية فقط؟ أم أن هذه الشعائر تعتبر وسيلة للوصول بالإنسان إلى أرقى مراتب الأخلاق والإنسانية؟

إن التدين الحقيقي، هو: حسن الخلق والأمر بالمعروف والعدل، مع أداء العبادات، وغيرُ ذلك ما هو إلا هباءٌ منثور في وجه صاحبه سيء الخلق يوم القيامة، والعياذ بالله.

    التدين الحقيقي، هو: حسن الخلق والأمر بالمعروف والعدل، مع أداء العبادات، وغيرُ ذلك ما هو إلا هباءٌ منثور في وجه صاحبه سيء الخلق يوم القيامة

قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟"، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا، يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. قَالَ: "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، فَيُقْعَدُ، فَيَقُصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ"

وفي رواية: "إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُقْضَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ" (رواه أحمد عن أبي هريرة)

وإذا أُصيبَ القومُ في أخلاقهمْ***فأقم عليهم مأتمًا وعويلا

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ