(وللإيمان الصادق، والعبادة الصحيحة، والمجاهدة، نور وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده، ولكن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى، ليست من أدلة الأحكام الشرعية، ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه).

أما الإيمان الصادق فيتحقق بصحة الاعتقاد وصدق الاتباع.

وتتحقق العبادة الصحيحة بإخلاص النية ومتابعة عمل الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأما المجاهدة فمتعددة بين مجاهدة النفس، والهوى، والشيطان.

والعبد لابد له من أمر يفعله، ونهي يجتنبه، وقدر يصبر عليه.. وهو في ذلك عرضة للشيطان الذي يحاول أن يفسدَ سلوكه بالشهوات، ويُفسدَ فكره وتصوره واعتقاده بالشبهات.. ولكن من فضل الله عليه أن منحه ما يواجه به عدوه:

·         منحه الصبر يجاهد به الأهواء والشهوات.

·         واليقين يجاهد به الشكوك والشبهات.

وصدق الله القائل: ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) [1].

إن الإيمان الصادق الذي يتحلى به المسلم هو الحياة الطيبة ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) [2].

وهو النور الذي يمشي به ( وجعلنا له نورا يمشي به في الناس) [3].

وهو الروح التي يحيا بها ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) [4].

يعيش صاحبه مطمئن النفس، مرتاح البال ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) [5].

وللإيمان الصادق حلاوة يتذوقها المؤمن الذي رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، عبد اللهَ بما يحبه ويرضاه فشكره وأحبه وخشيه، فتفضل الله عليه بهذا المذاق فكان مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

بهذا الإيمان الصادق يعيش المؤمن بين الناس، يصل من قطعه، ويعفو عن من ظلمه، ويعطي من حرمه فيُنْزل الله له القبول في الأرض ويعيش في مودة ورحمة بين الناس ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا) [6].

أي سعادة، وأي حلاوة، وأي نور وأي أمن وأمان يحسّ به المؤمن الصادق ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) [7].

ولك أن تسأل وكيف يحبنا الله حتى نفوز بهذه الحلاوة..؟

قال تعالى: ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [8] أي إذا سلكنا طريق الدعوة التي وضع معالمها رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبنا الله. وهذا الطريق يحتاج منّا إخلاص النية وبذل الجهد والجهاد والصبر والمصابرة ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا) [9].

تمحيص الغاية..

ومن أهم الأمور في معركة الإيمان هذه هو تمحيص الغاية.. بأن يكون الله هو الغاية.. ورسول الله هو الأسوة والقدوة..( لقد كان لكم في رسول الله أُسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) [10].

خلوف تنكبت الطريق

وجاءت بعد ذلك خلوف تنكبت الطريق وخلطت عملا صالحا بآخر سيئ..

وبدأت الانحرافات تأخذ دورها..

في الجاهلية القديمة صنعوا تماثيل لبعض الرجال الصالحين يتبركون بهم، ومع الزمن عبدوهم من دون الله.. وفي الجاهليات الحديثة بدأ بعض الناس ينظرون للرجل الصالح، تعجبهم عبادته فيحكمون عليه بأنه ولي من أولياء الله الصالحين. كل ما يقوله إلهام، وكل خواطره حقائق، وكل رؤاه مكشوف عنها الحجاب، فهو يصلي الفجر في القاهرة والظهر في مكة والعصر في المدينة والمغرب في بيت المقدس ثم يعود ليصلي العشاء في السيد البدوي.

بعض هؤلاء يقول: حدثني قلبي عن ربي، ويقول: أنتم تأخذون كلامكم من ميت إلى ميت ونحن نأخذ كلامنا من الحي الذي لا يموت، ويقول: صحّ عندنا كشفا ولم يصح عندنا سندا.. وكله تخريف لا يقبله مسلم يحترم عقله.

لا نريد أن نتعرض للولاية والكرامة.. ولكننا نقول: أن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية، ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه.

يدخل أنس بن مالك على الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنهما فيقول له: مالكم تدخلون علـيّ وأثر الزنا في وجوهكم، قال أنس: أوحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا ولكنها الفراسة..

فراسة صادقة من مؤمن صادق ينظر بنور الله.. ولكنها حديث نفس تخطئ وتصيب، ومهما بلغت قوتها فلن تعدو روع صاحبها.. وهي ليست بحال من أدلة الأحكام الشرعية[11].

يقول الشيخ محمد الغزالي: وقد رأيت ناسا طيبين، شديدي الثقة بطيبتهم، يستمدون منها حكمهم على الأشخاص والأشياء، وربما صدرت لهم أحكام بالطيبة والخبث، أو الحل والحرمة، أو التقديم والتأخير لا مصدر لها إلا ذوقهم ومزاجهم!!

وهذا مسلك قد يصل بذويه إلى الزيغ أو الدجل، وعندما أتدبر أزمة الإيمان في عالمنا المعاصر أو أزمة التدين خلال تاريخ الإنسانية أشعر بأن أصل البلاء نجم عن أقوام يظنون حكمهم على الأمور هو حكم الله، ووصايا المرسلين.

إن الحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بأحكام المكلفين، فليس لأحد أن يقول: نفث في روعي كذا، أو ألهمت كذا، أو رأيت في منامي كذا، أو روى قلبي عن ربي كذا!! فذلك كله فوضى مردودة[12].

ـــــــــــــــــــ

[1] السجدة – 24. [2] النحل - 97. [3] الأنعام - 122. [4] الشورى - 52. [5] طه - 123. [6] مريم - 96. [7] الأنعام - 82.   [8] آل عمران - 31.   [9] الكهف - 28. [10] الأحزاب - 21.   [11] فهم الإسلام - جمعة أمين عبد العزيز، ص- (51-63).   [12] دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين - محمد الغزالي، ص- (38- 39).