محمد عادل

الأجيال المتعاقبة: صراع وعقوق، أم حوار وتعاون؟!

من سُنن الحياة أنّ للجديد بهجة وحلاوة، فكيف إذا كان الجديد مولوداً يمثّل امتداداً في الحياة لوالديه، وزينة لهذه الحياة يبلغ حد الفتنة إلا لمن عصمه الله؟!. ونقرأ في كتاب الله تعالى:

“المال والبنون زينة الحياة الدنيا”. (الكهف: 46).

“إنما أموالكم وأولادكم فتنة”. (التغابن: 15).

ولأن حبّ الأولاد – ذكوراً وإناثاً – في قلوب الوالدين، حب عارم، يدفعهما إلى العناية والرعاية، بل إلى الدلال… فإنهما لا يحتاجان إلى من يأمرهما بالإنفاق عليهم والعناية بهم… إنهم فلذات أكبادهم.

وبمقابل ذلك فإن الولد السّوي يعرف فضل والديه عليه، ويُقدّر لهما خبرتهما في الحياة، وحرصهما على جلب الخير له، ووقايته من كل سوء، ويعترف لهما بحقوقهما، فيبرهما ويُحسن إليهما… وهذا ما أمر به الإسلام أمراً حاسماً. فإذا طرأت على الولد نزوة طيش، أو لحظة غضب، أو شعور بغرور… ودفعه ذلك إلى إغضاب أحد والديه أو التأفف به أو التقصير بحقه… كان له من تحذير الله عاصم وحافظ. وهل بعد اقتران عقوق الوالدين بالشرك بالله، تحذير؟!

“وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً”. (الإسراء: 23)

“قل: تَعالَوا أتلُ ما حرّم ربّكم عليكم: ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً”. (الأنعام: 151)

والإحسان إلى الوالدين مطلوب – بنص القرآن – ولو كانا مشركين، على أن لا يوافقهما على الشرك والمعصية:

“ووصينا الإنسان بوالديه حُسناً وإن جاهداك لتُشركَ بي ما ليس لكَ به علم فلا تُطعْهما”. (العنكبوت: 8)

ومع هذه القواعد الواضحة فإن الأهواء والنزق واختلاط الأمور وتسرّب القيم الغربية وسوء الخلق… كلها قد تؤدي إلى اضطراب الموازين، وإساءة العلاقة بين الوالدين والأولاد.

إن الولد عندما يكبر يرى أنه أصبح كياناً مستقلاً، وربما بلغ به الأمر أن يرى كل كلمةِ نصحٍ من والديه، تُوَجّه إليه، أو رأيٍ يُقدَّم له، عدواناً على كيانه، وانتقاصاً من مكانته!.

ويزداد الأمر خطورة حين ينشط المروّجون لتحطيم الأسرة، الذين يُثيرون مشاعر الصراع بين الرجل والمرأة، أو بين الوالدين والأولاد… يصوّرون تحقيق وجود أيّ فريق لا يكون إلا بقهر الفريق الآخر، وإذاً لا يستطيع أبناء الجيل الناشئ من النجاح إلا إذا تجاوزوا آباءهم وأهملوهم وعقّوهم!.

وفي هذا قطع لوشائج المودة والاحترام، وتنكُّرٌ لفضل الوالدين على أولادهم، وإهدار للخبرات التي اكتسبها الكبار من تجاربهم، ويُريدون أن يُفيدوا بها أولادهم.

صحيح إن الحياة في تطوّر مستمر، وإنّ سيل العلوم والمعارف متدفّق، وإن لدى الجيل الصاعد من هذا السيل ما لم يكن لدى الآباء…لكنّ الصحيح كذلك أن نهر العلوم متواصل عبر الأجيال، وأنّ أي جيل يكون مخطئاً وجاهلاً وعاقّاً إذا ظن أن ذكاءه وجهوده هي التي أوصلته إلى ما هو فيه من غير استفادة من علوم السابقين، فضلاً عن أن خبرات الحياة وأصول التعامل وفهم مجريات الأمور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أكبر من أن يصنعها فرد أو أفراد أو جيل واحد من الأجيال.

البشرية لا تزال تقرّ بالفضل لأرسطو وأفلاطون، وابن رشد وابن الهيثم وابن النفيس وابن خلدون، وسيبويه والخليل، ونيوتن وديوي… كلّ في مجال تخصصه الذي تنهل منه البشرية عبر الأجيال… فكيف يُنسى الأبوان اللذان أسهما في تنشئة الطفل خطوة خطوة، ويوماً فيوماً؟!

لكن الوجه الآخر لهذه الحقيقة أن يُتيح الآباء لأبنائهم فرص التقدم والنمو وتحقيق الذات واكتساب الخبرات التي تناسب جيلهم، بما يتساوق مع القيم العُليا التي تحفظ شخصية الفرد والمجتمع، وتحقق خير الدار الدنيا والدار الآخرة.

وفي هذا السياق نذكر ما جاء في الأثر:

“ربّوا أولادكم على غير ما رُبيتم عليه، فإنهم خُلقوا لزمان غير زمانكم”. ولا نظنها تعني غير ما ذكرنا: إتاحة الفرصة لنمو الولد وتطوّره في ظل الإيمان وقيمه وأخلاقه!.

إن العلاقة بين الآباء والأبناء علاقة قلبية نفسية أولاً، وعلاقة مادية في الدرجة الثانية، وهي علاقة تضامنية تكافلية: فالآباء يرعَوْن أبناءهم، ويُنفقون عليهم، ويُعنَون بصحتهم وأخلاقهم وتعليمهم وتوجيههم، ويردفونهم بخبراتهم المهنية والاجتماعية، ويُهيئون لهم فرص النجاح والتجربة وممارسة حق الاختيار… والأبناء يبرُّون آباءهم ويُكرمونهم ويُعينونهم في الكبَر بالجهد والمال، ويدعون الله لهم في حياتهم وبعد مماتهم.

“واخفِضْ لهما جناح الذلّ من الرحمة، وقل ربِّ ارحمْهما كما ربّياني صغيراً”. (الإسراء: 24).

وكانت وصية هذا الدين بالأم أكثر، لأنها تحملت من آلام الحمل والوضع والحضانة ما لا يُطيقه إلا الأم: “ووصّينا الإنسان بوالديْه حملته أمّه وهناً على وهن وفصاله في عامين”. (لقمان: 14).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحقّ الناس بحسن صحابتي: قال: “أمّك”، قال: ثم من؟ قال: “أمّك”، قال: ثم من؟ قال: “أمّك”، قال: ثم من؟ قال: “أبوك”. رواه البخاري.

وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رَغِمَ أنفُ، ثم رَغِم أنفُ، ثم رَغِم أنف” قيل: من يا رسول الله؟ قال: “مَن أدرك أبويه عند الكبر أحدَهما أو كليهما فلم يَدخلِ الجنة”. رواه أحمد ومسلم والترمذي.

وهكذا تتوثق وشائج القلوب بين الوالدين وأولادهما، فتنبعث مشاعر الحب والتقدير والاحترام والعطف والحنان دفّاقة… فلا يفكّر كل طرف بما قدّم من جهد ووقت ومال، ولا يحسّ بأن حق الطرف الآخر يقف عند حد الإنفاق عند الحاجة، أو الزيارة الرسمية، او الهدية في مناسبة من المناسبات.

وبعد ذلك لابد من ملاحظة أن حب الأبوين لأولادهما، وإشفاقهما عليهم، قد يدفعانهما إلى التدخل في شؤونهم تدخّلاً محرجاً. كأن تتدخل الأم في شؤون بيت ابنها بعد زواجه، وتحرّضه على زوجته، وتعترض على طريقة ترتيبها البيت أو إعدادها الطعام… أو تحرّض ابنتها على صهرها بدافع أن تحصل البنت على حقوقها كاملة ولا تخضع لأي لون من الظلم أو الاضطهاد… وهي بهذا التحريض تنغّص علاقة الزوجين الشابين وقد تجعل حياتهما جحيماً، وقد تؤدي بهما إلى الطلاق…

وقد يفعل الأب ما يُشبه ذلك مع ابنه أو ابنته.

وفي الحديث الذي رواه أبو الشيخ في “الثواب”: “رحم الله والداً أعان ولده على برّه”.

إن على الأبوين، كما أحسنا إلى أولادهما في الصغر، أن لا يسيئوا معاملتهم في سن الشباب فيخرجوهم ويفسدوهم ويدفعوهم إلى العقوق، لا سيما في علاقة هؤلاء الأولاد بأزواجهم، بل ينصحونهم ويردفونهم بالخبرات والتوجيه، ويقدّرون خصوصياتهم… كل هذا فيما لا يُسخط الله تعالى.

وعلى الأولاد أن يتذكروا دائماً فضل الوالدين عليهم، ويقوموا بحق البرِّ والإحسان وخفض الجناح… طلباً لرضا الله تعالى أولاً، ورضا الوالدين الذي يؤدي إلى رضا الله. وبذلك يكون استمرار الحياة السعيدة: جيل يربي ويُحسن، وجيل يشكر حق التربية ويقابله بالبر والعرفان.

وليذكر الأولاد، حين تسوّل لهم أنفسهم أن يقصّروا في حق والديهم، أو يتبرموا بهم، ليذكروا أنهم عما قريب يكونون آباءً وأمهات، وسيسعدون ببرّ أولادهم، وسيشعرون بالأسى والحزن إذا قابلهم أولادهم بالإحسان عقوقاً!

“واخفِضْ لهما جناح الذلّ من الرحمة، وقل ربِّ ارحمْهما كما ربّياني صغيراً”.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ