صفية الودغيري

ما أكثر ملذَّات النَّفس ومشتهياتها، وما أكثر ما يحصل لها من الإقبال عليها والعَبِّ منها، والوَلهِ بها ولهَ المحِبِّ المُسْتهام بعشقها، الخانعِ لذُلِّها والخاضِع لسلطانها، المُسْتمالِ لجاذٍبيَّة سحرها وغرورها..

فمن كان موقعها في قلبه عظيم، اسْتَماله السٌّكر من مدامها، وداوَمَ على إدمانها، فقلَّت معرفته وغَشِيَه جهله، وأُغْلِق فهمه، ولابسَه العمى فأظلمت بصيرته، وانحسرت مداركه، وتعذَّر عليه حَلُّ لغزه وفَكُّ إشاراته، ولم يورث العقل الدَّقيق لكشف الخَبايا والأسرار، والتَّدبر وسَبْر الأغوار..

وقديما قال بعض حُكَماء الهند: “ما أَقَلَّ منفعةَ كثرةِ المعرفة مع سَرَفِ الطَّبيعة وغَلَبَةِ الشَّهوة! وما أكثر منفعةَ قلَّة العِلم من اعْتِدال الطَّبيعة واقْتِصادِ الشَّهوة!”.

فإنَّ المدار على تخلية النَّفس وتَحْليتها بالفضائل، وتزكيتها بالمحاسِن، وتطهيرها من الأنجاس والمفاسد، وعلى من كان مُتَّقِيًا من الله، ومُلَقِّنا لرسالته التي استخلفه لتبليغها ونشرها، أن يكون زاهِدًا في الدُّنيا، وراغِبًا في الآخرة، وأن يكون ذا أخلاق جيِّدة، وخِصال حميدَة، وذا أطوار نقِيَّة، وسيرة جميلة مرضِيَّة، وسلوك مستقيم، ومنهجٍ صحيح، ومترفِّعًا عن صغائر الأمور، ومُتَعالٍ عن دنَسِ الحِرص والهوى، مع المراقبة والمحاسبة، والمكاشفة لاستخراج الحقائق واللَّطائف المخفِيَّة، وتمييز الضَّرورات من الحاجات الزَّائدة .

فالشَّبع من الملذَّات إلى حدِّ الإسراف، هو مُفْسِدٌ للطَّبائع والفِطَر السَّويَّة، ومُذْهِبٌ للفطنة وتوقُّد الذَّكاء، ومُضْعِفٌ للنَّشاط والقوَّة، ومُقْعِدٌ لصاحبه عن تشمير ساعد الهمَّة وبلوغ المقاصِد العَلِيَّة، ومُظْلِمٌ لبصيرته وحكمته البالغة، وقديما قال بعض الحكماء: “إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ صَدَأً، وَصَدَأُ الْقُلُوبِ شَبَعُ الْبُطُونِ”.

وقال ابن السَّمَّاك لِجعفَر بن يحيى: “إِنَّ الله عزَّ وجلَّ ملأَ الدُّنيا باللذَّات وحَشاها ِالآفات؛ فمزجَ حَلالَها بالموبِقات، وحَرامَها بِالتَّبِعات”.

بل إنَّ المُغالاة في التعلُّق بالشَّهوات، والإِسْراف في إشباعِ النَّفس من الملذَّات، والاشتغال بما يزيد عن حاجات الأجسام وغذاء الأرواح، يُفْضي إلى الإبعاد من عناية الرحمن، والحرمان من السَّكينة وطمأنينة النَّفس والأنفاس، والوقوع في الفتنة وشرَكِ الغفلات، والصُّدود عن المعرفة، وإقفال باب الطَّاعات، والشُّعور بفقدان الأُنْس بالله، وغَلبَة الوحشة والرَّهبة، وضَنك العيش والضِّيق والإِعْسار، وقد قيلَ لشَقِيقٍ الْبَلْخِيِّ: "ما علامة العبد المُباعَدِ المَطْرود؟ قال: إذا رأيتَ العبد قد مُنِعَ الطَّاعة، واسْتَوْحَشَ منها قَلْبُه، وحُلِّيَ له المعصية، واسْتَأْنَسَ بها، وخَفَّت عليه، ورَغِبَ في الدُّنيا، وزَهِدَ في الآخرة، وَأَشْغَلَهُ بَطْنُه وفَرْجُه [و] لم يُبَالِ من أين أخذَ الدُّنيا؛ فاعْلَم أنَّهُ عند الله مُباعَدٌ لم يرضه لِخدمَتِه" .

وعن مالك بن دينار؛ قال: قال عبد الله الرَّازيُّ: "إِنْ سَرَّكَ أن تجِدَ حلاوةَ العبادة وتَبْلُغَ ذُرْوَةَ سَنامِهَا؛ فاجْعَل بينكَ وبين شهوات الدُّنيا حائطًا من حديد" .

فلابدَّ لطالب السَّعادة الأبدِيَّة من سلوكٍ خالص وتجرُّدٍ بالغ، ووقوفٍ طويل على تلك الأسرار العظيمة، وما وراءها من المقاصد وغايات التمتُّع بالطيِّب من الطَّعام والشَّراب، بدون مغالاة أو إسراف أو خيلاء، فإنَّ من السَّرفِ أنْ تأكلَ وتشرب وتلبس كلَّ ما اشتهيت، وطالبُ الدُّنيا وزينتها من أفسح أبواب الاشْتِهاء ضاقت عليه بما رحُبَت، مثله كمثل الظَّمآن وشاربِ ماء البحر، كلَّما ازْداد عطَشًا ازْدادَ شُرْبًا، وكلَّما ازْدادَ شُرْبا ازْدادَ عطَشًا، حتى يَقْتُلَه أو يهلَك..

مصداقا لقول الحق سبحانه في سورة الأعراف: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)).

وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كُلوا واشرَبوا والبَسوا وتصدَّقوا في غيرِ إسرافٍ ولا مَخيلَةٍ فإنَّ اللهَ يحِبُّ أن يَرى أثرَ نعمتِه على عبادِه).

وعن المقدام بن معد يكرب الكندي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما ملأ ابنُ آدمَ وعاءً شرًّا من بطنِه، حسْبُ ابنِ آدمَ أُكلاتٌ يُقمْنَ صلبَه، فإن كان لا محالةَ فثُلثٌ لطعامِه، وثلثٌ لشرابِه، وثلثٌ لنفسِه).

ـــــــــــــــــــــــــــــــ