الله عز وجل سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويقدر ما يشاء، لذلك كانت الثقة به والتوكل عليه واجباً، فترى موسى عليه السلام لما جاء فرعون وجنوده وأجمعوا كيدهم وبغيهم وظلمهم وعدوانهم، فأسقط في يد ضعفاء النفوس وقال بعض من مع موسى عليه السلام: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) سورة الشعراء61لا محالة هالكون، لا فائدة، لا نجاة، محاط بنا، ستقع الكارثة، سيدركنا فرعون، سيأخذنا، سيقتلنا، سننتهي، قال موسى الواثق بربه: (كلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ) الشعراء:62، الثقة بالله عز وجل:(يرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد)إنه الله عز وجل، وهي التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية: (إني رسول الله ولن يضيعني)، وهي التي قالها الصحابة: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ) سورة آل عمران173، فما الذي حصل؟ (فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ) سورة آل عمران173-174، ولذلك قال تعالى بعدها: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ) يعني: يخوفكم بأوليائه ومناصريه، (فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) سورة آل عمران175.

لقد لفت علماء الإسلام ومنهم ابن القيم رحمه الله إلى قضية خطيرة يقع فيها كثير من المسلمين وهي سوء الظن بالرب عز وجل، يظنون أن الله لا ينصر شريعته ولا ينصر دينه، وأن الله كتب الهزيمة على المسلمين أبد الدهر، وأنه لا قيام لهم، إذن فلماذا أنزل الله الكتاب؟ لماذا أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لماذا شرع الدين؟ لماذا جعل الإسلام مهيمناً على كل الأديان؟ لماذا نسخت كل الأديان السابقة بالإسلام إذا كان الإسلام لن ينتصر؛ ولذلك قال عز وجل: (مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وليس في الآخرة فقط، فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ) يعني: بحبل، إِلَى السَّمَاء إلى سقف بيته، ثُمَّ لِيَقْطَعْ) يعني: يختنق به يقتل نفسه، (فَلْيَنظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ )سورة الحـج15قال العلماء في تفسير هذه الآية: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة فليمدد بحبل يخنق به نفسه، يتوصل إلى هذا الحبل الذي يشنق به نفسه إن كان ذلك غائظه؛ لأن الله ناصر نبيه لا محالة.

قال تعالى: (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ *يَوْمَ لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) سورة غافر51-52، (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ *إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) سورة الصافات171-173، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ) سورة المجادلة5، وفي الآية الأخرى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ *كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) سورة المجادلة20-21فإذن إذا تحققت شروط النصر فلا بد أن ينصر الله الذين حققوا الشروط، وإذا هزموا فإنما يهزمون لتخلف تحقق الشروط، وهذه الأمة تتربى بأقدار الله التي يجريها عليها.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد علمنا من سيرته كيف ينصر ربه فينصره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) سورة محمد7، (إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ) سورة آل عمران160، والله عز وجل فعال لما يريد، والله سبحانه وتعالى كتب المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة؛ ولذلك فإن كل ما يقع ويحدث مكتوب عنده سبحانه وتعالى: (وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة216.

وقد يظن المسلمون بشيء شراً فإذا هو خير، لقصر النظر وعدم معرفة الغيب: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ) سورة آل عمران179، وقال تعالى: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) سورة النور11، وقال سبحانه وتعالى: (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) سورة البقرة216، وهذه القاعدة العظيمة التي جرت عبر التاريخ: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) سورة الرعد11؛ ولذلك فإنه لا بد من الثقة بالله، ولا بد من اعتقاد أن القوة جميعاً لله سبحانه وتعالى، ولا يجري في الكون إلا ما يريد، ولا يجري شيء ولا يقع إلا لحكم يريدها سبحانه، ولا يدري الإنسان ماذا يترتب على الأمور.

لا بد من اعتقاد أن القوة جميعاً لله سبحانه وتعالى، ولا يجري في الكون إلا ما يريد، ولا يجري شيء ولا يقع إلا لحكم يريدها سبحانه، ولا يدري الإنسان ماذا يترتب على الأمور

؛ ولذلك فلا بد أن يوقن المسلمون بربهم، لا بد أن يكونوا على صلة بربهم، معتمدين عليه متوكلين، يطلبون منه القوة والمدد؛ لأنه سبحانه وتعالى مالك القوة جميعاً، وهو الذي يمنح أسبابها من يشاء عز وجل.

إن المسلمين في زمن الضعف يجب عليهم أن يستحضروا دائماً الثقة بالله، والتوكل عليه، واستمداد القوة منه، والركون إليه، وأنه عز وجل ينصر من نصره، فإذا التجأ العبد إليه فقد أوى إلى ركن شديد.

اللهم إنا نسألك أن تنصر الإسلام والمسلمين، وأن تعلي كلمة الدين، ونسألك سبحانك وتعالى أن تجعل رجزك وعذابك على القوم الكافرين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ