أم موسى عليهما السلام أيضاً تضرب مثلاً في الثقة بالله تعالى، فهي لما خافت على ولدها من ذبح فرعون ألهمها الله تعالى أن تلقي فلذة كبدها في الماء الذي هو مظنة الهلاك المحقق، ثم لو سلم فلا تدري إلى أين سيأخذه الماء! لكن الله تعالى ألهمها أن تلقي موسى الرضيع في اليم، فلثقتها بالله تعالى وبوعده الذي وعدها برده ألقته وانتظرت تحقق وعد الله الذي لا يخلف الميعاد، فرجع إليها سالماً غانماً الإكرامَ والمكانة المرموقة لأسرته لدى فرعون.

قال تعالى: ﴿ وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ * وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ * فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ القصص: 7-13].

عباد الله، إن الثقة بالله تعالى لا تعني تعطيل الأسباب، وانتظار القدر المنجي بدون سعي وعمل لجلب المرغوب ودفع المرهوب.

وإنما الثقة بالله تعالى تعني: أن تفوض أمرك إليه وتعلق قلبك به، وتتوكل في أمرك كله عليه، وتبذل ما في قدرتك ووسعك من الأسباب لتحصيل المحبوبات ودفع المكروهات.

ولذلك قال نبي الله صلى الله عليه و سلم: (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً) [1].

فذكر عليه الصلاة والسلام أن الطير تخرج من أوكارها لطلب الرزق ولا تبقى فيها.

أيها الأحبة الكرام، إن الخطأ كل الخطأ في فهم هذا الأمر لدى طائفتين من الناس:

الطائفة الأولى: اتجهوا إلى العمل بالأسباب واثقين بأنفسهم وما عندهم من القدرة، وتركوا الاعتماد على الله تعالى. وهذا تخلٍّ عن الله ووثوق بالنفس، ومن توكل على غير الله وكله الله إلى من توكل عليه، وليس له عند ذلك إلا الذم والخسارة.

والطائفة الأخرى: وثقت بالله ثقة مغلوطة بحيث انفصلوا معها عن العمل بالأسباب وقعدوا ينتظرون. وهذا هو التواكل الذي يذمه العقل والشرع.

وكلتا الطائفتين على خطأ، والصواب هو تعليق القلب بالله تعالى وفعل ما يستطاع من الأسباب الممكنة المشروعة.

نسأل الله تعالى أن يبصرنا بديننا، وأن ينمي في قلوبنا الثقة بربنا، وأن يصلح بذلك جميع أحوالنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] رواه أحمد والترمذي وابن ماجه وابن حبان، وهو صحيح.