قال ابن القيم رحمه الله في كتابه الفوائد :

..الصادقون السائرون إِلَى الله وَالدَّار الْآخِرَة قِسْمَانِ:

قسم صرفُوا مَا فضل من أوقاتهم بعد الْفَرَائِض إِلَى النَّوَافِل الْبَدَنِيَّة وجعلوها دأبهم من غير حرص مِنْهُم على تَحْقِيق أَعمال الْقُلُوب ومنازلها وأحكامها وَإِن لم يَكُونُوا خالين من أَصْلهَا وَلَكِن هممهم مصروفة إِلَى الاستكثار من الْأَعْمَال.

وَقسم صرفُوا مَا فضل من الْفَرَائِض وَالسّنَن إِلَى الاهتمام بصلاح قُلُوبهم وعكوفها على الله وَحده والجمعية عَلَيْهِ وَحفظ الخواطر والإرادات مَعَه وجعلوه قُوَّة تعبده بأعمال الْقُلُوب من تَصْحِيح الْمحبَّة وَالْخَوْف وَالْخَوْف والرجاء والتوكل والإنابة وَرَأَوا أَن أيسر نصيب من الواردات الَّتِي ترد على قُلُوبهم من الله أحب إِلَيْهِم من كثير من التطوعات الْبَدَنِيَّة فَإِذا حصل لأَحَدهم جمعية ووارد أنس أَو حب أَو اشتياق أَو انكسار وذل لم يسْتَبْدل بِهِ شَيْئا سواهُ الْبَتَّةَ إِلَّا أَن يَجِيء الْأَمر فيبادر إِلَيْهِ بذلك الْوَارِد إِن أمكنه وَإِلَّا بَادر إِلَى الْأَمر وَلَو ذهب الْوَارِد فَإِذا جَاءَت النَّوَافِل فههنا معترك التَّرَدُّد فَإِن أمكن الْقيام إِلَيْهَا بِهِ فَذَاك فَذَلِك بِهِ وَإِلَّا نظر فِي الْأَرْجَح والأحب إِلَى الله هَل هُوَ الْقيام إِلَى تِلْكَ النَّافِلَة وَلَو ذهب وارده كإغاثة الملهوف وإرشاد ضال وجبر مكسور واستفادة إِيمَان وَنَحْو ذَلِك فههنا يَنْبَغِي تَقْدِيم النَّافِلَة الراجحة وَمَتى قدمهما لله رَغْبَة فِيهِ وتقرّبا إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يرد عَلَيْهِ مَا فَاتَ من وارده أقوى مِمَّا كَانَ فِي وَقت آخر وَإِن كَانَ الْوَارِد أرجح من النَّافِلَة فالحزم لَهُ الِاسْتِمْرَار فِي وارده حَتَّى يتَوَارَى عَنهُ فَإِنَّهُ يفوت والنافلة لَا تفوت وَهَذَا مَوضِع يحْتَاج إِلَى فضل فقه فِي الطَّرِيق ومراتب الْأَعْمَال وَتَقْدِيم الأهم مِنْهَا فالأهم.

وَالله الْمُوفق لذَلِك لَا إِلَه غَيره وَلَا رب سواهُ.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ