في هذه الوصية الثانية يحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على صلاة الليل، ويبيّن فضلها وعظيم أثرها في الدنيا والاخرة فيقول: (وصل ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور).

كانت صلاة الليل الوقود الأساسي في موكب النبوة الذي بدأ بِ { يا أيها المزمل} وانتهى بِ { يا أيها المدثر قم فأنذر}.

فصلاة الليل لا يعدلها زاد ولا مدد.. فهي تمد المؤمنين وترفدهم وتزودهم بطاقات وامكانات فوق مستوى التصور والتقدير.. ذلك أنها عطاء من الله ومنة منه، وصدق الله تعالى حيث يقول: (ان ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا).

ولقد بيّن لنا رسول الله ما لصلاة الليل من فضل عميم فقال: (عليكم بقيام الليل، فانه دأب الصالحين قبلكم ومقربة، لكم الى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهات عن الاثم، ومطردة للداء عن الجسد). رواه الطبراني والترمذي.

وروي أن جبريل جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا محمد عش ما شئت فانك ميت، واعمل ما شئت فانك مجزيّ به، وأحبب من شئت فانك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس) رواه الطبراني.

فصلاة الليل تعد الأخ الداعية ليكون عبدا ربانيا، موصولا بالله، مشرق النفس، نيّر القلب، حاضر الذهن، متقد الفكر.

والداعية ان لم يكن متصفا بهذه الصفات فهو ليس بداعية.. وبلاء الاسلام اليوم في دعاة ليس لهم من مواصفات الدعاة واخلاق الدعاة سمات الدعاة شيء..

وصلاة الليل لا يتم اعتيادها من غير مجاهدة نفس ومبارزة شيطان ومقاومة هوى، وبخاصة في أول الأمر.. فلقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: (اذا اراد العبد الصلاة من الليل أتاه ملك فيقول له، قم فقد أصبحت، فصل واذكر ربك.. فيأتيه الشيطان فيقول، عليك ليل طويل وسوف تقوم، فان قام فصلى أصبح خفيف الجسم قرير العين، وان هو أطاع الشيطان حتى أصبح بال في أذنه). رواه الطبراني.

ولقد ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القيام في ظلمة الليل وبين الأنس في وحشة القبور: (وصل ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور فالذي أنار ليله بعبادة الله وطاعته كان حقا على الله أن ينير قبره بفضله ورحمته).

لله ما أجزل العطاء، أن يكون ثواب العبد من ربه لركعات قامها في اليل نجاته من عذاب القبر.. ومن ظلمته ووحشته وغربته؟

وأية وحشة هي تلك الوحشة التي ينجو منها من تتجافى جنوبهم عن المضاجع..

ولقد تحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القبر وعذابه فقال: (ان القبر أول منازل الاخرة، فان نجا منه صاحبه فما بعده أيسر منه، وان لم ينج منه فما بعده أشد).

وقال مجاهد: أول ما يكلم ابن آدم حفرته فتقول: أنا بيت الدود وبيت الغربة وبيت الظلمة، هذا ما أعددت لك فماذا أعددت لي.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اذا مات العبد أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لهما منكر ونكير.. فيقولان له ما كنت تقول في النبي؟ فان كان مؤمنا، قال هو عبدالله ورسوله أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله. فيقولان: انا كنا نعلم أنك تقول ذلك. ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين ذراع، وينوّر له في قبره.. وان كان منافقا قال: لا أدري كنت أسمع الناس يقولون شيئا وكنت أقوله. فيقولان، انا كنا نعلم أنك تقول ذلك، ثم يقال للأرض التئمي عليه حتى تختفي أضلاعه).

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يؤتى الرجل في قبره – أي بالتضييق- فاذا أتي من قبل يديه دفعته الصدقة.. واذا أتي من قبل رجليه دفعه مشيه الى المساجد).

ولقد حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صحف موسى فقال: (كانت صحف عبرا كلها: عجبت لمن أيقن بالموت ثم هو يفرح، عجبت لمن أيقن بالنار ثم هو يضحك، عجبت لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، عجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها ثم اطمأن اليها، عجبت لمن أيقن بالحساب غدا ثم لا يعمل).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ