الوصية التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: (وتصدق بصدقة وأخفها).

دعوة الى ترجمة التزكية النفسية الى عمل، والى تحويل الايمان الى فعل ايمان..

ويبدو أن الانفاق في سبيل الله، والجهاد بالمال، أصدق دليل على عافية النفس وصحتها.. وأن الشح والبخل والامساك دليل مرضها وسقمها..

ولهذا جاءت صفة الانفاق ملازمة لصفة الايمان في أكثر من آية، بل فيد عدد كبير من الآيات القرآنية، من ذلك قوله:{ الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} البقرة 2. وقوله:{ الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} الأنفال 3 وقوله:{ الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم، والصابرين على ما أصابهم، والمقيمي الصلاة، ومما رزقناهم ينفقون} الحج 34.

وفي آيات أخرى حض القرآن الكريم على الانفاق كوسيلة لتربية النفس على حب الخير وايثار الآخرين وبذل المعروف وتحسس الآلام، فقال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض، ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} البقرة 267 وقال:{ يا أيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} البقرة254.

وهكذا يحفل القرآن الكريم بعدد كبير من الآيات التي تحض المؤمنين على الانفاق مما يؤكد أن بذل المال وانفاقه في سبيل الله أحد أبرز الآثار الدالة على الايمان..

ان على دعاة الاسلام، وهم يبذلون الكلمة الطيبة للناس من أفواههم وقلوبهم، أن يلبوا نداء الجهاد بالبذل من جيوبهم، كيما يتلازم الجهادان، جهاد النفس وجهاد المال:{ ان الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}.

والذين تفيض نفوسهم خيرا، وجب أن تفيض جيوبهم سخاء وعطاء.. فسماحة اليد من سماحة النفس، وامساك اليد من امساك النفس وضيقها..

ان جهاد اللسان سهل وقد ينهض به الكثيرون من غير عناء.. بل قد يقبل عليه كل من يطمع بالحظوة والوجاهة بين الناس.. أما جهاد المال فصعب على النفوس المشدودة الى الأرض التي تخاف الانفاق خشية الفقر، وصدق الله تعالى حيث يقول:{ يا أيها الذين آمنوا انفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون، ولستم بآخذيه الا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد. الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم. يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر الا أولوا الألباب.. وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فان الله يعلمه وما للظالمين من أنصار. ان تبدوا الصدقات فنعمّا هي، وان تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم، ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير} البقرة 267-271.

ولهذا جاء وصف المؤمنين في كتاب الله {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} {ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا انما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا}.

وان من لتوجيهات النبوية في بيان عاقبة البخل والكرم ومقام الممسك والمنفق قوله صلى الله عليه وسلم: (كل يوم ينزل ملكان من السماء يقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا.) وعنه صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: (انفق يا ابن آدم ينفق الله عليك وصدق الله العظيم حيث يقول{ لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم ان عذابي لشديد}).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ