الشحنة الايمانية التي يجب أن يتزود بها دعاة الاسلام وهم في سيرهم على درب الآخرة هي حج بيت الله تعالى..

فمناسك الحج من أقوى المولدات الربانية التي تمد الدعاة الى الله بطاقات ايمانية هائلة، وتنقّي أنفسهم من رجس الجاهلية ومضلات الهوى.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه. ويقول: (العمرة الى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة). متفق عليه.

ولهذا فرض الله تعالى على عباده حج بيته.. وجعله أحد أركان الاسلام، فقال تعالى:{ ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا، ومن كفر فان الله غني عن العالمين}.

وفي الصحيحين عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا اله الا الله.. وأن محمدا رسول الله.. واقام الصلاة.. وايتاء الزكاة.. وصوم رمضان.. وحج بيت الله الحرام)

وروي عن علي أنه قال : من قدر على الحج فتركه فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا.

ان قول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي ذر في وصيته: وحج حجة لعظائم الأمور يفيد الحض على التطوع فضلا عن الفريضة.. فقد سن الرسول الاكثار من الحج والعمرة تطوعا لما ثبت في الصحاح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال صلى الله عليه وسلم : (يا أيها الناس، ان الله قد فرض عليكم الحج فحجوا. فقال رجل، أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو قلت لكم نعم لوجب ولما استطعتم. ثم قال، ذروني ما تركتم، فانما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فاذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، واذا نهيتكم عن شيء فدعوه).

في ضيافة الرحمن

   ان من تكريم الله تعالى لحجاج بيته وعماره، أنه وعدهم الحسنى والمغفرة، واعتبرهم وفده وضيوفه لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (الحجاج والعمار وفد الله عز وجل وزواره، ان سألوه أعطاهم وان استغفروه غفر لهم، وان دعوا استجيب لهم) ابن حبان.

فأكرم بها من ضيافة.. وأكرم بها من وفادة، في رحاب البيت العتيق، وفي ظل رحمة الله تعالى ورضوانه، وفي البقعة المباركة التي هبط فيها الوحي ودرجت عليها أقدام النبوة وحفتها ملائكة السماء.. والى هذا أشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: (ان الله عز وجل قد وعد هذا البيت أن يحجه كل سنة ستمائة ألف، فان نقصوا أكملهم الله عز وجل من الملائكة) وقال عليه الصلاة والسلام: (ينزل على هذا البيت في كل يوم مائة وعشرون رحمة.. ستون للطائفين.. وأربعون للمصلين.. وعشرون للناظرين) رواه ابن حبان والبيهقي.

الاحرام والتلبية

   فبالاحرام.. ينسلخ المؤمن من الأسباب التي تشده الى ترابيته.. فينضي حيا بكفن الأموات، يتساوى مع سائر خلق الله.. فلا مقامات ولا وجاهات، وانما سواسية كأسنان المشط.. يمضي أشعث أغبر ملبيا نداء الرحمن، مرددا لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. ان الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك يرددها وهو خائف وجل أن يقال له: لا لبيك ولا سعديك فقد روي عن علي بن الحسين رضي الله عنهما لما أرحم للحج واستوت به راحلته، اصفر لونه وانتفض ووقعت عليه الرعدة ولم يستطع أن يلبي. فقيل له، لم لا تلبي؟ فقال: أخشى أن يقال لي لا لبيك ولا سعديك عن سفيان بن عيينة..

الطواف

   وبالطواف.. يتحقق الاتصال بالملأ الأعلى.. فتحاكي الروح ملائكة الله الحافين حول العرش{ وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم، وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين}.

الاستلام

وأما استلام الحجر الأسود فيدرك الداعية أنه مبايع لله عز وجل على طاعته وعلى الجهاد في سبيله.. وانها بيعة ثقيلة { فمن نكث فانما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسوف يؤتيه أجرا عظيما}.

وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول: (الحجر الأسود يمين الله عز وجل في الأرض يصافح به خلقه، كما يصافح الرجل أخاه). حديث ابن حبان.

التعلق بأستار الكعبة

وأما التعلق بأستار الكعبة فهو انكسار الحاج بين يدي الله تعالى والحاجة الى طلب عفوه ورضاه.. فقال تعالى:{ ادعوا ربكم تضرّعا وخفية} وقال:( أدعوني أستجب لكمْ).

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (اذا أحب الله عبدا ابتلاه حتى يسمع تضرّعه) مسند الفردوس للديلمي، وقال صلى الله عليه وسلم: (اذا دعا أحدكم فليعظم الرغبة فان الله لا يتعاظمه شيء) ابن حبان.

السعي

وأما السعي فانه شدة الحاح المؤمن في استمطار رحمة الله عليه.. ففي ترداده للدعاء المأثور رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم انك أنت الأعز الأكرم.. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار شعور بالصراعة بين يدي قوي عزيز.

الوقوف بعرفة

وأما الوقوف بعرفة.. فيجب أن يهز النفس هزا ويشدها شدا لتذكر يوم الحسر{ ونفخ في الصور فاذا هم من الأجداث الى ربهم ينسلون} { وان كانت الا صيحة واحدة فاذا هم جميع لدينا محضرون}.

ولهذا كان الموقف في عرفة لا يضارعه موقف.. بل لهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) وقال: (ان من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الا الوقوف بعرفة).

روي عن أحد الصالحين.. ان ابليس ظهر له في صورة شخص بعرفة، فاذا هو : ناحل الجسم، مصفر اللون، باكي العين، مقصوف الظهر، فقال له: ما الذي أبكى عينك؟ قال: خروج الحاج اليه بلا تجارة.. قال: فما الذي أنحل جسمك؟ قال: صهيل الخيل في سبيل الله ولو كانت في سبيلي كان أحب اليّ. قال: فما الذي غير لونك؟ قال: قول العبد، أسألك حسن الخاتمة.

رمي الجمار

وأما رمي الجمار فهو تصميم من الداعية على محاربة الشيطان وحزبه، ومجانبة الهوى، والاستقامة على شرع الله..

انه توطيد العزم على المضي في طريق الحق والهدى لا يضره من خالفه حتى يأتي أمر الله..

انه العهد على افراغ الجهد، قولا وعملا وجهادا، لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى { ألم أعهد يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم، ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون}.

الذبح

   وأما ذبح الهديْ.. فهو قربى الى الله تعالى من جانب، وترجيع في النفس لقصة ابراهيم الخليل عليه السلام اذ قال لابنه:{ يا بني اني أرى في المنام أني أذبحك، فانظر ماذا ترى؟ قال: يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني ان شاء الله من الصابرين}.

وما أحوج دعاة الاسلام اليوم الى أن يسترجعوا هذه الحوادث والمواقف الايمانية الفريدة.. فهي تمثل قمة الرضى والقبول بقضاء الله تعالى حيق يقول:{ ما كان لمؤمن ولا مؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم..}.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ