إبراهيم فهد

عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بُسيسةَ عينًا ينظر ما صنعت عِير أبي سفيان، فجاء وما في البيت أحد غيري وغير رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لا أدري ما استثنى بعض نسائه، قال: فحدثه الحديث، قال: فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فتكلم، فقال: إن لنا طلبة فمن كان ظهره حاضرًا، فليركب معنا، فجعل رجال يستأذنونه في ظهرانهم في علو المدينة، فقال: لا، إلا من كان ظهره حاضرًا، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض، قال: يقول عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله، جنة عرضها السموات والأرض، قال: نعم، قال: بَخٍ بَخٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على قولك: بخ بخ، قال: لا والله يا رسول الله، إلا رجاءة أن أكون من أهلها، قال: فإنك من أهلها، فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل) [1].

من فوائد الحديث:

1- قال القاضي عياض رحمه الله: (بُسيسة عينًا)؛ كذا في جميع النسخ بياء باثنتين تحتها بين السينين مصغرًا، وكذا ذكره أبو داود، وأصحاب الحديث، والمعلوم في كتب السير: "بسبس" بباء واحدة غير مصغر، وهو بسبس بن عمرو، ويقال: ابن بشر من الأنصار من الخزرج، ويقال: حليفهم، قال النووي رحمه الله: (يجوز أن يكون أحد اللفظين اسمًا له والآخر لقبًا) [2].

2- قوله: "بخ، بخ": كلمة تقال لتعظيم الأمر وتهويله، يقال بسكون الخاء وبكسرها منونًا.

3- قوله: (من قرنه)؛ أي: من جَعبته، وهو وعاء يُصنع من الجلد.

4-جواز الاستقتال في الحرب.

5- استحباب تمنِّي الشهادة.

6- جواز حَمْل الإنسان وحده على الكفار، وإن عَلِمَ أنهم سيقتلونه في حملته تلك، وليس هو من إلقاء اليد إلى التهلكة، وقد فعله كثير من الصحابة والسلف، وقال محمد بن الحسن: لو حمل واحد على ألف وحده، لم يكن به بأس إذا طمع في نجاة أو نكاية، أو أن يفعل المسلمون مثل فعلته، أو يرهب العدو بما يريهم من صلابة المسلمين في دينهم، وإلا فهو مكروه، وقد كره العلماء أن يفعل ذلك من يكون رأس كتيبة، وعلم إن أصيب هلك من معه من الجيش، فالصواب ألا يتعرض للقتل إلا أن يضطر إلى ذلك[3].

7- قوله: (عَيْنًا) من سياسة الحرب، وضع شخص يكون جاسوسًا أو رقيبًا على العدو.

8- العِير هي: الإبل التي تحمل الأمتعة والطعام.

9- قوله صلى الله عليه وسلم: (إن لنا طَلِبَة)؛ أي: لنا جهة نقصدها، وأمرًا نطلبه، فهو صلى الله عليه وسلم يورِّي الجهة المقصودة؛ حتى لا يشيع خبر مسيره، فيَصِل للأعداء[4].

10- قوله: (لا يتقدمنَّ أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه)؛ أي: قدَّامه متقدِّمًا في ذلك الشيء؛ لئلا يفوت شيء من المصالح التي لا تعلمونها.

11- حسن سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في الحرب.

12- الجنة في السماء فوق السموات السبع، فالجنة فوق، والله يخبر عن عرضها، فهي واسعة جدًّا وعظيمة جدًّا، والأرض في أسفل، فلا منافاة بين هذا وهذا، فالله أخبر عن عرضها، فذكر أن عرضها السموات والأرض، وهي فوق السماء السابعة، وسقفها عرش الرحمن كما جاءت به الأخبار عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والأرض أسفل، فهذه في مكان وهذه في مكان، ولا منافاة بين هذا وهذا [5].

13- التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفار؛ إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان، فإنه لا يجوز [6].

14-إن الشهادة من أعلى مراتب الأولياء، فساقها الله لهذا الصحابي المجاهد من حيث لا يحتسب.

15-إن الله قد هيَّأ لعباده المؤمنين منازل في دار كرامته، لا تبلغها أعمالهم، فقيَّض لهم أسباب الابتلاء والمحن والقتل في سبيله ليصلوا إليها[7].

16- فيه فضل مَن شَهِدَ بدرًا؛ حيث إنّ هذا الصحابي المجاهد حظِي بالشرف والرفعة والبشرى يوم أن قُتِل في غزوة بدر، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث تُبين ما وقع لهم من الخير والفضل تَكرمة لهم من ربهم، فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (إنّ الله عز وجل اطَّلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفَرتُ لكم) [8].

17- حث القائد جنوده، وترغيبهم في الشهادة في سبيل الله.

18- التحفيز له أثر إيجابي على النفوس.

19- حُب الصحابة لنبيهم صلى الله عليه وسلم وطاعتهم له، وامتثال أوامره.

20- على القائد إذا اقترب من الأعداء أن يعطي آخر تعليماته وتوجيهاته لجنوده، ويذكِّرهم بالله، ويدفعهم للقتال.

21- كان هذا البعث الذي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم قبل غزوة بدر.

22- شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وحُسن قيادته ودرايته، وتخطيطه للحرب.

23- بذل الغالي والنفيس في سبيل الفوز بالجنة.

24- الهِمَّة العالية لدى هذا الصحابي.

25- حقارة الدنيا وهوانها.

26- المسارعة والمسابقة إلى معالي الأمور.

27- كان أكثر طعام ذلك الزمان وأحبه إليهم هو التمر.

28- النبي صلى الله عليه وسلم لم يسمح بالخروج معه، إلا لمن كان مركوبه حاضرًا وقريبًا منه؛ أما من كان مركوبه في عوالي المدينة، فإنه لم يسمح له، وكل ذلك من سياسة الحرب، والمباغتة للعدو؛ حتى لا يعلموا به.

29- رأى رضي الله عنه أن البقاء فترة لأكل التمر حياة طويلة، وكأنه لا يريد أن يتأخر عن الجنة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] صحيح مسلم 3/ 1349 رقم 1905.

[2] شرح النووي على مسلم 13/ 44.

[3] من 1-7 مستفاد من إكمال المعلم بفوائد مسلم 6/ 322.

[4] من 7-9 مستفاد من شرح النووي على مسلم 13/ 44-46.

[5] من فتوى للشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله على موقعه الرسمي.

[6] نيل الأوطار للشوكاني 7/ 278.

[7] من 14-15 مستفاد من فتح الباري لابن حجر 7/ 347.

[8] المرجع السابق 7/ 305، والحديث في صحيح البخاري 4/ 59 رقم 3007، وصحيح مسلم 4/ 1941 رقم 2494.