أحمد القاضي

   الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

   فما هي إلا أيام معدودات، وليال باقيات، ويظل الأمة الإسلامية شهر كريم، وموسم عظيم، فتلبس لباس التقوى، وتظهر شعار الإسلام والعبودية لله رب العالمين.

   رمضان.. درة الشهور، وزينة العام؛ مدرسة إيمانية، تربوية، تعبدية، اجتماعية. وصوم رمضان.. أحد أركان الإسلام، ومبانيه العظام، وأحد محاسن الشريعة، ودلائل صحتها، وموافقتها لمصالح العباد، وانسجامها مع الفطرة. فمع تكرار رمضان كل عام، ومنافاته لشهوات النفس، تظل النفوس المؤمنة تهفو إليه، وتترقب حلوله، وتتنعم بصيامه وقيامه.

   قال ابن القيم رحمه الله: (المقصود من الصيام: حبس النفس عن الشهوات، وفطامها عن المألوفات، وتعديل قوتها الشهوانية؛ لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية، ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسَوْرتها، ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين، وتضيق مجاري الطعام والشراب) إلى أن قال: (والمقصود أن مصالح الصوم لمّا كانت مشهودة بالعقول السليمة، والفطر المستقيمة، شرعه الله لعباده؛ رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وحميةً لهم وجنة)(1).

   وكثير من الناس يتلهف لإدراك شهر رمضان، ويأسى على من أدركه الأجل قبل دخوله، وهو صادق في شعوره، لكن سرعان ما تنفثئ هذه الفقاعة الكبيرة، وتبرد هذه السَّوْرة العاطفية، خلال أيام معدودة من أيام رمضان الأولى!

   ولا شك أن للطبيعة البشرية دورًا في هذا التراجع، لكن جزءًا من تفسير هذه الظاهرة، يرجع -فيما نرى- إلى أمرين:

   أحدهما: عدم التهيؤ النفسي، والتكيف الوجداني التام لاستقبال شهر رمضان؛ وذلك بإجالة النظر في النصوص القرآنية والنبوية في فضائل شهر رمضان، والتأمل في آثاره العاجلة والآجلة، والتفكر في مقاصد رمضان وثمراته. فإذا امتلأت النفس بهذه المعاني، صار ذلك وقودًا وذخيرة، يمدها إلى آخر الشهر، ويغذيها بالعزيمة، والثبات، والاستقامة.

   قال ابن رجب رحمه الله: (كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بقدوم رمضان، كما خرّجه الإمام أحمد والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه، يقول: «قد جاءكم شهر رمضان، شهر مبارك، كتب الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها، فقد حرم». قال بعض العلماء: هذا الحديث أصل في تهنئة الناس بعضهم بعضًا بشهر رمضان)(2).

   قلت: هذا الحديث أصل في تهيئة النفس لصيام رمضان.

   الثاني: عدم التخطيط العملي، والتصور التفصيلي لتنفيذ الأعمال، فتتبخر الأماني، وتتبدد الأحلام؛ بسبب عدم وضع خطة واضحة ممكنة، لليوم والليلة. فينبغي للمؤمن الجاد تحديد أهداف واضحة، والتزام برنامج متوازن، حازم؛ لاغتنام شهر رمضان الكريم، ومن ذلك على سبيل المثال:

   1- المحافظة على الصلوات، والرواتب، والتبكير إلى المساجد، فور سماع النداء.

   2- الالتزام بحزب معين من تلاوة القرآن، وتحديد عدد ممكن من الختمات.

   3- اعتماد تفسير معتبر للقرآن؛ للرجوع إليه بغرض الفهم والتدبر.

   4- الائتمام بإمام حسن التلاوة، مطمئن الصلاة، في التراويح والقيام.

   5- تعيين مبلغ من المال لإخراجه في رمضان، على سبيل الزكاة أو الصدقة.

   6- الترتيب المبكر لعمرة في رمضان.

   7- التخفف من الشواغل الثانوية، والتوفر لتحقيق المقاصد الرمضانية.

   وهكذا، فإن تحضير الذهن، وشحذ العزم، مع الاستعانة بالله، يحصل به المقصود، كما وصّى نبينا صلى الله عليه وسلم، بقوله: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» (رواه مسلم).

   بلغنا الله وإياكم رمضان، وأعاننا فيه على الصيام والقيام، ومنَّ علينا بالقبول والغفران والعتق من النيران، والفوز بالجنان.. إنه وليّ ذلك، والقادر عليه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   (1) زاد المعاد 2/28-30.

   (2) لطائف المعارف ص279.