عبدالعزيز محمد

إنَّ الحمدَ لله نحْمَده، ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه؛ ونعوذ بالله مِن شُرورِ أنفسنا ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحابته وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

فيا عباد الله:

اتّقوا الله - تعالى - واعرِفوا ما خُلقتم له، فقد قال ربُّكم - جلَّ وعلا -: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ﴾ [الذاريات: 56-58]، فإنَّ الله - سبحانه وتعالى - خلقَكم لعبادته، وتكفَّل بأرزاقكم، ولن تموتَ نفسٌ حتى تستكملَ رِزقَها وأجَلَها.

فاتَّقوا الله، واحذروا مِن الوقوع فيما يخلُّ بعقيدتكم، ويُنقص إيمانَكم، ويُشغلكم عن طاعةِ ربِّكم، ويُعقِّد حياتكم، ويُكدِّر صفوَ شرابكم، فإنَّ العبد إذا أخْلص العبادة لله، وعمِل على بصيرةٍ بما جاء عنِ الله على لسان رسولِه -صلى الله عليه وسلم- سعِد واطمأنَّ في دُنياه، ونجا وفاز في أُخراه.

فلا أَلذَّ ولا أسعدَ مِنْ حياةِ مَن عبَدَ اللهَ بإخلاص، واتَّكل عليه في جميعِ أموره، وعلَّق قلبَه به، وهذا لا ينافي عملَ الأسباب، بل يعمل الأسباب ويتوكَّل على خالقِها وخالقِ كلِّ شيء.

ولا أشقَى ولا أكثر كَدرًا ممَّن قلَّ إيمانه، وتعلَّق قلبُه بغير الله، وتشتَّت شملُه، فهو دائمًا في عناءٍ وكدرٍ لا يستقرُّ له قرار، ولا يطمئنُّ إلى وضع، ولا يوفَّق إلى عمل خير.

فعبودية الله هي السَّعادة، وهي الاطمئنان، فإنَّ القلب إذا ذاق طعمَ عبادة الله والإخلاص له؛ لم يكن شيءٌ عنده أحْلَى مِن ذلك، ولا ألذَّ ولا أمْتع ولا أطيب، كما أنَّ الله - سبحانه وتعالى - يَصرِف عنه بذلك السوءَ والشرور والفحشاء، كما قال - سبحانه وتعالى - في حقِّ يوسف - عليه السلام -: ﴿ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 24].

فعبادةُ الله وطاعتُه، وامتثالُ أوامرِه والتعلُّق به، كل ذلك سعادة واطمئنان، وراحة بال، بخِلاف مَن عبَد غيرَ الله أو تعلَّق قلبُه بغيره، أو انشغل بغير مولاه، فإنَّه لا يرتاح له بال، ولا يطمئن، فدائمًا في قلقٍ وشقاءٍ، وخوفٍ واضطرابٍ؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - في حقِّ طالب المال - بعدَ كلام -: وهكذا أيضًا طالب المال فإنَّ ذلك المال يستعبدهُ ويسترقُّهُ، وهذه الأمور نوعان:

منها ما يحتاج العبدُ إليه مِن طعامِه وشرابه ومسْكنه ومنكَحه، ونحو ذلك، فهذا يطلبه مِنَ الله ويرغَب إليه فيه، فيكون المال عندَه - يستعمله في حاجته - بمنزلة حِمارِه الذي يرْكَبه، وبِساطه الذي يجلس عليه، بل بمنزلةِ الكنيف الذي يقضي فيه حاجتَه مِن غير أن يستعبدَه، فيكون هَلوعًا؛ ﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا ﴾ [المعارج: 20-21].

ومنها ما لا يحتاج العبدُ إليه، فهذا لا يَنبغي له أن يُعلِّق قلبه به، فإذا علَّق قلبَه به صار مستعْبَدًا له، وربَّما صار معتمدًا على غير الله، فلا يُبْقِي معه حقيقةَ العبادة لله، ولا حقيقةَ التوكُّل عليه، بل فيه شُعبةٌ من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكُّل على غير الله، وهذا مِن أحقِّ الناس بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينار والدِّرهمِ والقَطيفةِ والخَميصة))[1].

وهذا هو عبدُ هذه الأمور، فإنَّه لو طلبَها من الله فإنَّ الله إذا أعطاه إيَّاه رَضِي، وإذا منَعه إيَّاه سخِط. اهـ. من كلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى.

فيا عباد الله:

اتَّقوا الله، وتَعلَّموا مِن أمور دِينِكم ما به تَسْعَدون في دُنياكم وأُخراكم، فإنَّ السَّعادة في الدنيا والآخِرة في الْتِزام ما يُحِبُّه الله ويرضاه؛ ففي الحديث: ((مَنْ أَحبَّ لله، وأَبغضَ لله، وأَعْطى لله، ومَنَعَ لله، فقدِ استكمل الإِيمان))[2]، وفي الحديث أيضًا: ((أوثقُ عُرَى الإِيمان الحبُّ في الله، والبغضُ في الله))[3].

ويقول أحدُ السَّلف: "لو يعلم الملوكُ وأبناء الملوك ما نحنُ فيه لجالَدونا عليه بالسيوف"؛ لِمَا هو فيه مِن راحة وطُمأنينة وسَعادة.

فالعاقِل الناصِح لنفْسه لا يُقدِّم هواه على طاعةِ مولاه، ولا يُطيع الشَّيطان ويَعصي الرحمن، بل يُجاهد نفسه وهواه وشيطانَه، ولا يرضَى أن يكون أسيرَ القلْبِ لأعدائه، فإنَّ أَسْرَ القلب أعظمُ من أَسْرِ البَدْن، والعبد مفتقِر إلى عبادةِ ربِّه وإعانته له؛ ليتخلَّص مِن شقاء الدُّنيا وعنائها، ويتسلَّح بالسِّلاح القويِّ على أعدائه.

فيا عباد الله:

انتبِهوا لأنفسكم، وتيقَّظوا مِن رقدتِكم، فإنَّكم لم تُخلَقوا عَبثًا، ولن تُتركوا سدًى، فأنتم في دار المهلة والاستعداد، وفي زمان البَذْر والغَرْس، وغدًا تَجْنون ثمارَ الغرس: إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ.

فانتبهوا يا عباد الله، ولا تغترُّوا برغد العيش، وكَثْرَةِ الأموال، فقد تكون سببًا في شقاء صاحبِها إذا كانتْ أكبرَ همِّه وشُغله الشاغِل عمَّا خُلِقَ له، فاشكروا الله على نِعَمِه، واستعينوا بها على طاعته؛ لتنالوا راحةَ البال في الدنيا، والسعادةَ في الآخِرة.

قال الله العظيم: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 24].

اعلموا - رَحِمكم الله - أنَّكم لم تُخلقوا عبثًا، ولن تُتركوا سُدًى، وأنَّ داركم هذه دار ممرٍّ وتزوُّدٍ للدار الآخِرة، ومزرعة يتسابق فيها الزَّارعون، ويتنافس فيها المجتهدون، وغدًا يحصد الزارعون ما زَرعوا.

فلا تُضيِّعوا أوقاتَكم، ولا تفرِّطوا في حياتِكم، واعلموا أنَّكم إن لم تشغلوها بطاعةِ الله شغلتموها في معاصيه، وفيما لا يعود عليكم بنفْعٍ ولا فائدةٍ، فاحْرِصوا أن تكونوا دائمًا في طاعة مولاكم، حتى ولو كنتم في أعمال دُنياكم، فقد يُوفَّق العبد لخيري الدنيا والآخِرة، فلا يفوت عليه شيءٌ منها.

ــــــــــــــــــــــــ

[1] أخرجه البخاري رقم (2886) - الفتح: (6/81).

[2] أخرجه أبو داود (4681) وأحمد في المسند (3/438،440) وقال الأرناؤوط: حديث حسن، ويشهَد له حديث معاذ بن أنس الجهني - رضي الله عنه - أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن في بعض نسخه، انظر جامع الأصول (1/239).

[3] أخرجه أحمد في المسند: (4/286) بلفظ: ((أوسط عرى الإيمان...))، وأخرجه أيضًا (5/247) بلفظ: ((أفضل عرى الإيمان))، وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنَّفه (11/48-13/229)، وذكره شيخُ الإسلام ابن تيمية في كتاب "الإيمان"؛ تحقيق الألباني (صفحة: 315)، وأيضًا انظر: "فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" (11/518).