أمة الرحمان الأزمي

فعل الخير أمر يلتبس على الكثيرين منا، فدائما ما نجده مختبئا لا يحب الظهور لتكتمل قدسيته ويكون خالصا لله وحده، الأصل فيه الستر، لكن لا يجب أن ننسى أن هنالك من يتفاخر بالمعاصي ويحسب نفسه على حق، في هذه الحالة فعل الخير علنا محمود ليس من أجل إظهار نبلنا بل من أجل نشر السلوك الخير القويم، فربما ذاك الذي كان يجاهر بالمعصية يوما انضم إلى صفنا.

إن الحكم على نيات من يفعلون الخير حكم إلهي لا ينازعه فيه أحد، لذلك لا يجب تثبيطهم باتهام البعض برغبتهم بتلميع صورتهم واكتساب أكبر عددا من المقدسين لهم، اتركوهم يفعلون الخير فما أحوجنا له لدفع الشر واتركوا نيتهم للخالق التي لا يعلمها إلا هو.

​​​​​​لقد حث الإسلام على الالتفات إلى احتياجات الآخرين دون منفعة دنيوية مرجوة فمن يعمل الخير ويقصد به وجه الله لا يهمه الشخص الذي يقدم له المساعدة ويتجاوز نوع المشاعر التي يكنها له، ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث مع الصديق رضي الله عنه في حادثة الإفك عندما منع المال عن قريب له تكلم كلام سوء في ابنته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

فجاءه في القرآن ما حثه على إعادة الحال على ما كان عليه سابقا وتجاوز العمل المسيء الذي قام به. قال الله تعالى "وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" سورة النور الآية 22 فما كان من أبي بكر إلا أن امتثل لأمر الله وتجاوز عن إساءة من أساء إليه.

فالإنسان لا يجوز له أن يستأثر بما رزقه الله تعالى من ممتلكات دون أن يعطي شيئا منها للآخرين الذين يفتقدون بعض هذه الأمور، فالمجتمعات لا تستقيم إلا بذلك. علاوة على ذلك أعمال الخير تفرج الكرب عن صاحبها خاصة كرب يوم القيامة بما فرجه على الآخرين من كرب وبما أزاله عن قلوبهم من هموم عظيمة. ولا يقتصر الخير على بذل المال فقط بل أيضا ببذل الكلمة الطيبة صدقة وتقديم النصيحة لمسلم بتقويم اعوجاجه والدعاء له بالهداية والصلاح.

وأخيرا ببذل العلم لما فيه من إقامة الدين وتحسين أمور الحياة العامة، فالعلم لا ينقطع بموت صاحبه كما جاء في حديث رسول اله عليه أفضل الصلاة والسلام "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". إن فعل الخير له من الأثر النفسي على المؤمن ما يحقق له السعادة والطمأنينة فتجده قنوعا راضيا بما آتاه الله لا تذمر، لا شكوى، زاهدا في دنيا فانية لا يخاف في الله لومة لائم.

كباقي أشباهه من بني الإنسان، فاعل الخير ليس منزها، له رصيده من الضعف والزلات يخطئ هنا ويصيب هناك، يذنب ثم يستغفر، ثم يذنب ثم يستغفر وهكذا دواليك، لكنه لا يتوانى عن التفنن في الخير الذي لا يرسخ إلا بديمومته وأشكاله كثيرة تختلف من شخص لآخر حسب قدراته ومواهبه، استمراريته يجعله مؤثرا في الآخرين، محفزا لهم على البذل والعطاء.ـــــــــــــــــــــ