يعدّ الاعتذار أحد السلوكيات الإيجابية لنشر وإشاعة الحب بين الناس، إذ يعمل الاعتذار على مد جسور الثقة والتعاون التي هدمت بسبب أحد التصرفات السيئة أو غير المقبولة التي قمنا بها، حيث يمهّد الاعتذار الطريق لأن نسير مرة أخرى في أفكار ومشاعر الشخص الذي أسأنا إليه. ورغم بساطة الاعتذار أو قول كلمة محببة أو جميلة في نفس الآخر إلا أن بعض الناس يجدون صعوبة كبيرة في التعبير عنها، أو يمتنعون من قولها، أو حتى من خلال نظرات تدل على أن الشخص يتأسف على ما صدر منه من سلوكيات غير مقبولة ولكنه يخجل من قول كلمات الأسف، ما يجعل المشكلة والفجوة التي ظهرت بين طرفي الخلاف تكبر شيئًا فشيئًا حتى تصبح عملية ترميم العلاقة الاجتماعية أو الحميمة من جديد صعبة جدًا، وبذلك فإن قول كلمة أسف تحتاج إلى ثقافة ومهارة، خاصة يجب أن يتمتع بها كل شخص؛ لأننا غالبًا ما نتعرض إلى مثل هذه المواقف سواء كانت مع الوالد أو الزوج والصديق أو الجار أو حتى الشخص الغريب.

لقد أعطى ديننا الإسلامي للعفو عن الآخرين معنى خاصًا، وجعل له هدفًا ودعا إليه وشجع عليه، وهو يتضمن التسامح والرحمة والإخوة، قال تعالى:

(وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم).

وكل منا قد يتعرض في تفاعله الاجتماعي للإساءة والظلم والجهالة والبهتان من الآخرين، أو يتعرّض للصدّ والمنع والإحباط فتتولّد مشاعر التوتر والقلق، وتثير فينا ردود فعل غاضبة، وهنا يأتي دور ترك الانتقام وكظم الغيظ، والعفو عمن ظلمنا، ونصفح عمن أساء إلينا، ونتسامح مع من اعتدى علينا، قال تعالى:

(وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين)، آل عمران 134،

وهذه الأخلاقيات (العفو والصفح والتسامح) تفيد وترفع درجات صاحبها قبل أن تفيد من عفا عنه، وهذا ما أكّده الرسول صلى الله عليه وسلم:

(ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا) ففي العفو طمأنينة ومودة وشرف للنفس ورفعة لها عن ذل الانتقام، فالخبرة الدارجة في الحياة اليومية تثبت لنا أن ما انتقم أحد لنفسه إلا ذلّ.

ويتم العفو عن الناس على ثلاثة مستويات:

1- كظم الغيظ:

حاول أن تعمل على تحويل مشاعر الغيظ إلى مشاعر تقبل وتحمل، وتصريفها ابتغاء لمرضاة الله، وعدم حبسها في النفس ولا تلجأ إلى الانتقام من الشخص الذي أساء إليك، وهذا يعطيك قوة الإرادة وثقة بالنفس عالية، قال صلى الله عليه وسلم:

(ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد من يملك نفسه عند الغضب).

2- الصفح عن الإساءة:

لا بد أن نتحمل إساءة المسيء ونتقبلها ولا نغضب منها ونحاول أن نصفح عنه ونسامحه دون قلق أو توتر، والصفح أعلى مرتبة من كظم الغيظ، قال تعالى:

( ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم)، فصلت 34.

3- الإحسان إلى المسيء:

ثم تأتي مرحلة الإحسان إلى المسيء وهي أعلى درجة الصفح يكون فيها عطاء ومودة وحبة للمسيء وإحسان إليه والدعاء له، وهذه العملية لا يقدر عليها إلا من قوي إيمانه.

4- افهم الشخص الذي أساء إليك:

ولكي تتخلص من كره الشخص الذي أساء إليك، ضع نفسك مكانه، إنّ هذا يجعلك ترى الجُرم الذي ارتكبه في حقك بعين أخرى، وقد تنظر إليه إلى حدٍ ما على أنّه مقبول، أو على الأقل سيبدو لك أقل مأساوية مما تراه أنت من موقع الضحية.

5- ابدأ حياتك من جديد: أن تعود إلى ممارسة حياتك الطبيعية بشكل عادي، والمسامحة هي فعل تحريري، يحررك من الألم ويعطيك الشجاعة لمواجهة الحياة من جديد.

ــــــــــــــــــــــــــــــ