البعض من صغار النفوس ، بدلاً من السعي لتصحيح أوضاعهم ومراجعة أنفسهم ، وإصلاح ما أفسدته تصرفاتهم ، فإنهم يحاولون تبرير أخطائهم ، وتقديم الأعذار التي يحاولون من خلالها التملص من تحمل المسئولية ، أو تجميل الصورة والظهور بالمظهر اللائق أمام الناس.

إن السبب الرئيسي لسياسة التبرير التي ينتهجها البعض هي المبالغة الشديدة في احترام الذات وتقديسها للدرجة التي توصله إلى المكابرة وعدم الاعتراف بخطئه ، ظناً منه أنه باعترافه بخطئه يُهين نفسه ، ويقلل من مكانتها ، فيلجأ للحيل الدفاعية التي يحاول من خلالها إبعاد النقص عن نفسه.

ومع أن ارتكاب الأخطاء أمر مُشين ويَعيب مرتكبيها ، إلا أن الاعتراف به وعدم المجادلة بالباطل قد يمحو آثار هذا الخطأ ، ويُكسب صاحبه تعاطف الآخرين ووقوفهم بجانبه.

إن أخطر ما في سياسة التبرير التي ينتهجها البعض هي أن تنتقل عدوى التبرير إلى من حولنا ، فالأب الذي لا يعتذر لأولاده مثلاً عن عدم وفائه لهم بوعد وعده لهم إنما ذلك درس عملي لهم أن ينتهجوا نفس النهج ، ويسلكوا نفس السلوك ، وقس على هذا كل المسئولين مع مرؤوسيهم .

إننا نُصاب بالصدمة الكبرى عندما نرى إنساناً يتولى إمارة أو مسئولية أو أمراً قيادياً ، ولا حديث إلا عن الإنجازات والعطاءات والمشروعات الناجحة والعملاقة ، صفحاته كلها بيضاء ناصعة لا خطأ فيها ، إنها صفحات تُشبه صفحات الملائكة المعصومين ، والأنبياء المرسلين ، التي لا مكان فيها للخطأ أو النقصان ، أو حتى السهو أو النسيان .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.

ألا فليعلم الجميع أن الاعتراف بالخطأ أطيب للقلب وأدعى للعفو ، ومعلوم أن توبة الصحابي الجليل كعب بن مالك لم يُنقذه إلا صدقه وصراحته.

خلق جميل ولكن !!!!

ورغم أن الكبار من سماتهم المسارعة إلى الاعتذار ، والبعد كل البعد عن التبرير والمجادلة في الباطل في الأمور التي ظهر فيها خطأهم ، إلا أنهم مع ذلك يجتنبون الوقوع فيما يُوجب الاعتذار ، مسترشدين في ذلك بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم الجامعة لأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه " إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع و لا تكلم بكلام تعتذر منه و اجمع الإياس مما في أيدي الناس" ، وإن أخطأوا يوماً أو زلت أقدامهم فإنه "لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ"

قبول الأعذار

ومع اتصاف الكبار بهذا الخلق العظيم ، وهذا السلوك الإيجابي من تقديم الاعتذار والاعتراف بالخطأ متى بدر منهم ، فهم كذلك يبادرون لقبول الأعذار من المخطئين في حقهم ، فلا تعالي ، ولا بطر ولا أشر ، بل مسامحة وعفو وطيب خاطر ، وهم بذلك يقدمون درساً عملياً للناس فقبول الاعتذار بهذه الصورة يحض الناس على الاعتذار متى أخطأوا لأن الإصرار على الملامة والعتاب وتسجيل المواقف لإحراج المعتذرين ، يجعلهم يُصرون على الخطأ ، ويأبون الاعتراف به.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ"

الأنبياء يعتذرون

ويطيب لنا أن نتوجه إلى المتعالين المتأففين ، الرافضين للاعتذار ، الناكفين عن تقديمه ، نتوجه لهم بهذه الباقة من الكبار العظماء ، إنهم أشرف وأطهر من مشوا على الأرض ، إنهم أنبياء الله ورسله الذين اختارهم الله على عينه ، وأدبهم فأحسن تأديبهم ، ومع ذلك فهم يُقدمون لنا الأسوة والقدوة في المبادرة للاعتذار للتأكيد على أنه خلق لا يشين ولا يقلل من قيمة صاحبه.

1 آدم عليه السلام : اعترف بذنبه لما أخطأ وسارع إلى ذلك ، ولم يُحاول تبرير ما وقع فيه من إثم بمخالفة أمر الله ، والأكل من الشجرة المحرمة عليه هو وزوجه ، لم يُراوغ ، لم يتكبر ، لم ينفِ لكنه جاء معترفاً بخطئه ومُقراً به " قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ"[الأعراف":23]

2 موسى عليه السلام : أخطأ عندما وكز الرجل بعصاه فقتله ، فماذا حدث؟ إنه لم يبرر فعلته ، ولم يراوغ لإيجاد المخارج من هذا المأزق ولكنه اعترف ابتداءً أن ما فعله من عمل الشيطان "هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ" ثم قام ليقدم الاعتذار ويطلب العفو والصفح والمغفرة "قال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"[القصص: 15-16]

3 بلقيس وامرأة العزيز : كلتاهما كانتا تعيشان في بيئة وثنية كافرة ، ولكنهما اعترفتا بذنبهما ، وتابتا ورجعتا عن خطئهما أما الأولى وهي بلقيس فإنها متى رأت الآيات والبينات تترا على يد نبي الله سليمان حتى قالت "رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"[النمل: 44]

الاعتذار من أخلاق الكبار

وأما الثانية امرأة العزيز التي راوغت ، وكادت لتبرير موقفها الصعب ، وسلوكها المشين إلا أنها اعترفت في شجاعة نادرة " قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ . ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ" [يوسف:51-52]

يا لها من قوة تحلين بها ، وجرأة في الحق يعجز أكابر الرجال في زماننا أن يأتوا بمثلها ، بيد أن البيئة الوثنية كانت أفضل حالاً من بعض البيئات اليوم التي أفرزت قطيعاً من المنافقين الكذابين ، المتعالين الذين ليس لديهم من الشجاعة ما يؤهلهم لمواجه الآخرين بأخطائهم.

رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتذر : عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ :

"مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ فَقَالُوا يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"

صحيح مسلم ٢٣٦١

الكبار دائماً وأبداً يعتذرون لدفع الشبهة التي قد يتوهمها البعض ، فهو لا ينتظر المعاتبة أو المراجعة حتى يُبرر موقفه من ذلك ، بل يسارع ليُنهي الأمر في وقته .

ـــــــــــــــــــــــــــ