شريف فوزي

الإيجابية معناها: اندفاع المؤمن الذي استقر الإيمان في قلبه، لتكييف الواقع الذي من حوله وتغييره إلى الأفضل، وتكتمل معاني الإيجابية حين يحقق المسلم في حياته قول الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام:162].

نبي البشرية يحث على الإيجابية:

ففي الحديث يقول عليه الصلاة والسلام: (إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها)؛ رواه أحمد والبخاري في الأدب وسنده صحيح.

الفسيلة: النخلة الصغيرة، والمقصود أنه لا بد أن يكون لك في الأرض أثر.

أخذ معاوية في إحياء أرض وغرس نخل وهو في آخر عمره، فقيل له فيه: فقال: ما غرسته طمعًا في إدراكه، بل حملني عليه قول الأسدي:

ليس الفتى بفتى لا يُستضاء به ♦♦♦ ولا يكون له في الأرض آثارُ

وحُكِي أن كسرى خرج يومًا يتصيَّد، فوجد شيخًا كبيرًا يغرس الزيتون، فوقف عليه وقال له: يا هذا، أنت شيخ هرم، والزيتون لا يثمر إلا بعد ثلاثين سنة، فلِمَ تغرسه، فقال: "أيها الملك، زرع لنا مَن قبلَنا فأكلنا، فنحن نزرع لمن بعدنا، فيأكل"، وهذه هي الإيجابية، ومقصودها تغيير الواقع إلى الأفضل.

الإيجابية صفة أساسية في المؤمنين:

لأن المؤمنين والمؤمنات كما وصفهم الله تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ [التوبة: 71].

فالمؤمن إذا سمع فزعًا يكون أسبق الناس سعيًا لإنقاذ هذا المفزوع، ولا يقول: (الناس كثيرة)، هكذا كان المؤمنون في العهد الأول، كانوا إذا دُعوا إلى خير تسابقوا إلى هذا الخير، وتأمل هذا الموقف الإيجابي في حياة هذا الجيل.

في صحيح مسلم عن أبي عمرو جرير بن عبدالله رضي الله عنه، قال: "كنا في صدور النهار عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه قوم عُراة مجتابي النمار - لابسين ثيابًا مخرقة - أو العباء، متقلدي السيوف - استعدادًا لما يؤمرون به من الجهاد - عامتهم، بل كلهم من مُضَر، فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم لَما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً، فأذَّن، وأقام ثم خطب، فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1]، والآية الأخرى التي في آخر الحشر: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ [الحشر: 18]، تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بُرِّه من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة - تصدق يعني: لو تصدق - فجاء رجل من الأنصار بصرَّةٍ كادت كفه تَعجِز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كَوْمين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله يتهلل كأنه مذهبة - كناية عن الصفاء والاستنارة - فقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن يَنقص ذلك من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرُها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء).

الإنسان الإيجابي مدرك أن له في الحياة رسالة:

فإنه لم يأت إلى الدنيا ليعيش كما تعيش الأنعام، ثم يخرج بلا أثر، إنما جاء الإنسان في هذه الحياة ليترك فيها بصمته؛ لذلك لَمَّا أتى النبيَّ عليه الصلاة والسلام الوحي، وأصاب منه ما أصاب، وهزَّه هزةً شديدة، أسرع إلى خديجة يقول: (زملوني زملوني، دثروني دثروني)، فإذا بالحق يوحي إليه: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾ [المزمل: 1 - 4].

وفي الأخرى: ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ [المدثر: 1 - 5].

أي قم فأدِّ دورك في هذه الحياة، فقد مضى وقت النوم، أنت الآن مرسل من قبل رب العالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فهذه الأصنام التي تُعبَد من دون الله مهمتك أن تكسرها، هذا الفساد المستشري في الناس مهمتك أن تصلحه، هذه الأرحام المقطعة مهمتك أن تَصِلها، هذا الظلم الذي نشأ بين الناس مهمتك أن ترفعه.

وهذه هي الإيجابية:

أبو بكر رضي الله عنه لما أسلم، لم يكتف بأن يجلس في بيته، ويقول: محمد هو المكلف وحده بتبليغ الرسالة لجميع الناس - هذا ليس منطقًا - إنما من منطلق الإيجابية، توجه إلى عثمان بن عفان وقال: أعلمت أن الله بعث محمدًا نبيًّا ورسولًا، ألا تؤمن به؟ فآمن عثمان، فذهب إلى الزبير بن العوام، فأسلم الزبير، وذهب إلى أبي عبيدة بن الجراح، فأسلم وذهب إلى بلال، وقال: إن الله بعث محمدًا بالهدى ودين الحق، وأنا أدعوك إلى الإيمان به، فقال بلال: يا أبا بكر، هلا انتظرت إلى الصباح؟ فأسلم بلال لذلك.

الإنسان الإيجابي يجب أن يقوم بالنصيحة:

لأن "الدين النصيحة"؛ كما قال عليه الصلاة والسلام، وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لذلك مثلًا، فقال: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء، مرُّوا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا فلم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجوا ونَجوا جميعًا)؛ رواه البخاري.

وهو معنى قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 25].

وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه، أوشك الله أن يعمهم بعذاب من عنده)؛ رواه أبو داود بسند صحيح.

أمثلة واضحة ومرئية للإيجابية:

تدبَّر في قصة الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى، ويقول: ﴿ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ﴾ [القصص: 20].

انظر كم من الجهد بُذِل في زمان لم تكن وسائل المواصلات والاتصالات سهلة وميسرة، كما في أيامنا هذه، فكم من الثمن دفع تضحية لإنقاذ حامل الحق الذي أراد تبليغه، إنها الإيجابية والإيمان بالفكرة والدعوة والطريق.

تأمل في قصة مؤمن آل يس؛ قال تعالى: ﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴾ [يس: 20 - 25].

إنها استجابة الفطر السليمة لدعوة الحق المستقيمة، فهذا رجل سمع الدعوة فاستجاب لها، ثم لم يُطق عليها سكوتًا، ولم يجلس في بيته، ولم ينشغل بأعماله ودنياه، وهو يري الضلال من حوله، ولكنه سعى بالحق إلى قومة وهذه هي الإيجابية.

تعلم من الأطفال الإيجابية:

في الصحيح عن عبدالرحمن بن عوف قال: إني لواقف يوم بدر في الصف، فنظرت عن يميني وشمالي، فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما، تمنيت أن أكون ببن أضلع منهما، فغمزني أحدهما، فقال: يا عماه، أتعرف أبا جهل؟ فقلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أُخبرنا أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي نفسي بيده، لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا، فتعجبت لذلك، فغمزني الآخر، فقال لي أيضًا مثلها، فلم ألبث أن نظرت لأبي جهل وهو يجول في الناس، فقلت: ألا تريان هذا صاحبكم الذي تسألاني عنه، فتنافسا على قتله فضرباه حتى قتلاه، وأسرعا يزفان البشرى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكلاهما يزعم قتله، فقال عليه الصلاة والسلام: (أريان سيفيكما فأتيا بهما، فرأى أثر الدماء، فقال: كلاكما قتله).

حتى النملة إيجابية:

قال تعالى: ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: 17، 18].

انظر كيف حذرت النملة قومها من الأخطار المحيطة بهم، واعتذرت عن سليمان وجنوده بعدم الشعور، وخاطبت أمتها بالقول السديد والرأي الرشيد، فهل فكرت يومًا في تحذير قومك من مؤامرات الأعداء.

وأخيرًا احذر السلبية:

وإياك أن تكون كالطفيلي الذي صحب رجلًا في سفره، فقال له الرجل: امض اشتر لنا لحمًا، فقال: والله لا أقدر، فمضى هو فاشترى، ثم قال له: قم فاطبخ، فقال: لا أحسن الطبخ، فطبخ الرجل، ثم قال له: قم فاثرد، فقال: والله كسلان، فثرد الرجل، ثم قال له: قم فاغرف، فقال: أخشى أن ينقلب على ثيابي، فغرف الرجل، ثم قال له الآن: كُلْ، فقال الطفيلي: قد - والله - استحييت من كثرة خلافي لك، وتقدم فأكَل!

فماذا تسمونه؟

وبماذا تُسمون مَن قلَّد صنيعه؟

النصيحة:

كن إيجابيًّا واجعل لك دورًا واضحًا في هذه الحياة.

ــــــــــــــــــــــ