قال الله عز وجل في محكم التنزيل: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ (طه: من الآية 84)، وقال الصادق المصدوق في حديثه الصحيح ‏‏الذي يرويه ‏‏أبو سعيد الخدري ‏عن رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ‏قال: "‏لن يشبع المؤمن من خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة" (هذا ‏حديثٌ حسنٌ غريب).

ومن واقع الحياة التي يحكُمها شرعُ ربِّنا والَّتي يَزِينُها سُنَّةُ نبيِّنا، نؤكِّد بعض الْمعاني، والتي نحن في مسيس الوقوف عليها، لكن دعونا نتفق سويًّا على مبدأ موحَّد، وهو أننا جميعًا متفاوتون في الغايات والرؤى والأهداف والقناعات والسلوكيات؛ ذلك أمر لا مريةَ فيه ولا التباس، لكن السؤال الذي يطرح نفسه على كلٍّ منا: ما غايتك في الحياة؟؟؟

باستعراض الحيوات المشاهدة لكل منا والأفعال الملموسة اليومية نجد أن الناس تختلف أعمالها حسب غاياتها، فمثلاً لا حصرًا انتبه/ انتبهي معي:

غايات في الحياة:

1. من الناس من غايته الطعام مهما غلا سعره وارتفع ثمنه، المهم أن يملأ منه بطنه يرضي نهمته؛ لذلك تجده حزينًا متى فاته الطعام، أو ألمَّت به فاقه، أو نزل به إفلاس، ومن الممكن أن ينتحر حتى يقال مات جوعان، ويرق الناس لحاله ويشفقون عليه وقد تمناها رجلٌ على عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم فقال أتمنى أن أموت ريان شبعان.. وهؤلاء همهم الأول والأخير هو أنفسهم وفقط..!! بئست الغاية.

2. ومن الناس من تجد غايته من الحياة النساء سواء من حلال، أو من حرام؛ المهم أن يحصل على متعته ويفض شهوته دون ضابط أو رادع، وهذا من علاماته طول النظر للنساء، وكثير التفكير في شئونهن، والبحث عنهن بأي طريق؛ الأسواق والمنتديات والمعارض وغيرها، وهذا الصنف موجود ولا ينكره أحد، فمتى ما حصل على غايته سكن فؤاده واستراح خاطره، ولم يفكر في أي شيء خلاف ذلك وينفق في سبيل الحصول على غايته والوصول إليها كل غالٍ ونفيس!! لكن بئست والله غايته.

3. ومن الناس من غايته إذلال العباد والتحكم فيهم والسيطرة عليهم، وسيبذل في سبيل الوصول لغايته أقصى ما يملك، حتى لو اضطر للتبرؤ من أهله والبعد عن مسقط رأسه، والاستعانة بغير المسلمين؛ لأنه يجد لذته ويحصل متعته ويشعر بغايته عندما يرى غيره جهلة لم يتعلموا أو فقراء لم يُطعموا، أو محتاجين إليه لم تُسدُّ حاجتهم، ولو خرج من منصبه وانخلع من كرسيِّ عرشه فاضت روحه، وهم والله كثر...!! لكن بئست والله غايتهم.

4. والغايات كثيرة ومتعددة ولضيق الوقت أسرد من غايته الله (رضاه ومحبته ونصرته وجنته)، وهؤلاء هم الغرباء في هذا الزمان لكن طوبى لهم وحسن مآب، ومن علاماتهم أنهم مع الله في كل وقت وحين لا يفرحون بموجود ولا يحزنون على مفقود، فهم بالله يتحركون، ومع الله سائرون، وفي الله يعيشون متزاورين متحابين مجاهدين، لا يحزنون إذا حزن الناس، ولا يفزعون إذا فزع الناس، بل هم مطمئنون، غايتهم أن يرضى عنهم ربهم، ألسنتهم تلهج بذكر الله، راضون عن الله، الابتسامة لا تفارق وجوههم، عند نزول البلاء من الصابرين المحتسبين، وعند نزول النعماء من الشاكرين الحامدين، غاية همهم نصرة الله ورسوله في كل ميدان ولو كلفهم ذلك أرواحهم وصودرت أموالهم وحيل بينهم وبين ذويهم، أولئك منارات الهدى وأعمدة الدين، وأولياء الله الصالحين الذين متى رفع أحدهم سبابته نزل النصر وانفرجت الكربة وانقشعت الغيوم.. هؤلاء هم الرجال وقت الشدة والأبطال عند الفزعة.. نعمت والله الغاية.

هل من الممكن تعديل مسار غايتك لتبتسم من قلبك؟

نعم بل من السهل الميسور أن تبدل غايتك وتعدِّل مسارك لو اتبعت ما يأتي:

- معرفة الغاية من وجودك بالحياة ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات).

- الوقوف على طبيعة الصراع في الدنيا ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ (الشورى: من الآية 7).

- فهم حقيقة النفس البشرية ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (يوسف: من الآية 53).

- مصاحبة الصالحين أصحاب الهمم العالية والغايات السامية ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31)﴾ (طه).

- التفكر في الحياة (نحن نأكل لنعيش لا نعيش لنأكل).

- عدم الغفلة عن الآخرة ومراد الله من خليفته وهو عبده (أنتَ/ أنتِ).

- عدم الحزن مهما أحاطت بك الأهوال وادلهمت بك الخطوب فما دام هناك رب إذا هناك حل، عفوًا بل حلول.

- تذوُّق طعم الحياة بالعمل الدائم لله، لا لمصلحة مرجوَّة أو لمنفعة معلومة ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ....﴾ (الأنعام).

ودائمًا سل الله أن يشغلك بما يرضيه عنك من تلاوة للقرآن، أو صلاة للنوافل الضحى أو الاستخارة أو الحاجة أو صلاة الأوابين، ويشغلك بالتفكير لما آل إليه أحوال المسلمين من ضعف وخور ولين وذلة ومهانة ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 165)، قد يكون السبب في خذلان المسلمين هو أنا أو أنت أو هو أو هي دون أن تدري يا مسكين، ألم ترَ أن موسى وهو الكليم ومعه سبعون ألف حُرموا القطر من السماء بشؤم واحد مصرِّ على معصيته، ولما تاب انهمرت السماء مدرارًا.

أخي وأختي في الله لماذا لا نبدل غاياتنا الآن لتكون واحدة وهي (الله) لنهتف جميعًا بلسان واحد ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾، عله يجيبنا كما أجاب محمدًا ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5)﴾ (الضحى).

أحبتي في الله الأمة في أمس الحاجة لأصحاب غايات صالحة يأخذون بأياديها بهمة وثَّابة لتنتقل بأرواحهم- بإذن الله- من ضعف إلى قوة ومن لين إلى شدة ومن هزيمة إلى نصر مبين، وما ذلك على الله بعزيز "رجل ذو همَّة أحيا الله به أمَّة".

عمومًا لا أريَنَّ أحدكم حزينًا أو مهمومًا، فالله هو الغاية، وهو معكم ولن يتركم أعمالكم فتمسكوا بمنهجه والتزموا طريقه واستعينوا به، والجئوا إليه وقتها يطيب لي أن أقول لك واحد منكم:

ابتسم فما زال بحياتك غاية منشودة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

ــــــــــــــــــــــــ