إذا كان الحديث عن الإيجابية ينبغي أن يكون ضروريًّا ومتصلاً في مجتمع مزدحم بالمشكلات والسلبيات واللا مبالاة، فإن الحديث عن الإيجابية في لحظات وأحداث حاسمة كلحظات التغيير واتخاذ قرارات مصيرية لا تقبل القسمة على اثنين؛ يصبح أشد وأقوى.

وسلوك الإيجابية لا ينفصل ولا يمكن أن ينفصل عن الإسلام، كما لا ينبغي على المسلم أن يكون سلبيًّا مستسلمًا راضخًا للخطأ، تاركًا الباطل يعلو على حساب الحق، وتاركًا الخطأ يفترس الصواب.

هكذا تقول رسالة الأنبياء وتاريخ المصلحين وحياة الدعاة، وإذا كان مرادف الإيجابية في الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الله قد وضعه شرطًا لصلاح العباد وتقدم الأمة وخيريتها وتفوقها على غيرها من الأمم.

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).

وجعل الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعظم مهمة بشرية على الإطلاق، ترفع صاحبها عند الله درجات ودرجات بعد أن ترفع صاحبها عند الناس.

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ (33)﴾ (فصلت).

وعندما كانت الإيجابية متأصلة في المجتمع المسلم ارتفعت أسهم المسلمين في العالم، فأصبحوا بالفعل خير أمة، تشهد بذلك العديد والعديد من المواقف والأمثلة، لأنهم أخذوا بكلمتين لخص فيهما الرسول صلى الله عليه وسلم الأمر كله؛ ليقول صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة".

الإيجابية مطلب إسلامي

والقرآن الكريم به الكثير من الآيات التي توجِّه إلى التمسك والتحلي بهذا السلوك والتمسك بهذه القيمة؛ ولأهمية هذه الصفة في حياة الفرد والمجتمع تحدث عنها القرآن الكريم في آيات عديدة، وبأكثر من تعبير، فقد ورد الحديث عن المبادرة في بعض الآيات بلفظ المسارعة، يقول تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 114)، ويقول تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ (الأنبياء: من الآية90)، ويقول تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)﴾ (آل عمران).

ونلحظ في الآيات الكريمة توجيه الخطاب إلى الجميع وليس إلى الفرد فقط؛ لأن المطلوب أن تكون هذه الصفة سمةً للمجتمع كله في مسيرته ومواقفه، وأن تكون السمة الغالبة للمجتمعات التي تبغي الرفعة والنهوض، وبالفعل لا يتساوى مَن كان له السبق مع من تخلف عنه، فالريادة والأسبقية شرفٌ لا يناله إلا الأوائل الذين اقتحموا مجالات لم يقتحمها أحد قبلهم، وحقَّق من الإنجازات ما لم يحققها أحد من قبله، فبالتالي قد فتح بابًا جديدًا، واقتحم مجالاتٍ لم يدخلْها أحدٌ قبلَه، والقرآن الكريم تحدث عن فئةٍ قامت بعملِ ما لم يصنعه أحد من قبلهم؛ ولذلك كان أجرهم مضاعفًا، ولم يتساوَوا في ذلك مع مَن صنعوا نفس الصنيع؛ لكنهم في مرحلة لاحقة عليهم، فبقوا هم الأوائل والمتقدمون والسابقون؛ لذلك يستحق الأوائل السابقون في ساحات الخير كلَّ تقدير وإعزاز.. وفي القرآن إشادةٌ كبيرةٌ بكل مَن كان له الأسبقية في فعل الخير وخدمة المسلمين؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ (التوبة: من الآية 100).

والإشادة هنا لا تنسحب فقط على حادثة الهجرة؛ ولكن تدل على كلِّ عملٍ يكون صاحبه سابقًا وأولَ في فعل الخير، والكثير من الآيات يحثُّ فيها الله تعالى على المسابقة، وأن يكون المسلم أسرع وأسبق الناس إلى فعل الخير والدلالة عليه ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنْ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (الحديد: من الآية 10)، وكما يقول أيضًا: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ (الأنعام: من الآية 14).

والنبي صلى الله عليه وسلم لنا فيه القدوة والأُسوة، فالمُتابع لسيرته العطرة من قبل البعثة حتى وفاته صلى الله عليه وسلم يجد أن حياته صلى الله عليه وسلم مليئةٌ بالمواقف التي تشير إلى إيجابيته وتفاعله مع الأحداث المحيطة به، ومثال ذلك حينما كان صلى الله عليه وسلم مارًّا عند الكعبة ووجد القوم يختلفون فيما بينهم على مَن يَضَع الحجر في موضعه في الكعبة، فلم يتركهم ويقول: وما شأني؟! بل أشار عليهم بالرأي السديد، وشارك معهم في حلِّ هذا الخلاف، وبعد البعثة- ورغم عداء "أبو جهل" للنبي صلى الله عليه وسلم- جاءه أعرابي يشتكي إليه من أن "أبو جهل" قد أخذ ماله ولا يريد ردَّه إليه تقدَّم النبي صلى الله عليه وسلم ودون تردد أو خوف، وطلب من "أبو جهل" بكل عزم أن يعطي الرجل حقه، وبالفعل أعطى "أبو جهل" الرجل ماله، وحين سُئل عن سبب اضطرابه من مطالبة النبي له بمال الرجل قال: "لقد خُيِّلَ لي أن أسدًا أراد أن يلتهمني حينما دخل عليَّ محمدٌ".

كما أن الأحاديث النبوية تحثنا على هذه القيمة العظيمة، فيقول صلى الله عليه وسلم: "إذَا قَامَتْ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا"، عليك أفضل الصلاة والسلام يا سيدي يا رسول الله، هل ترون إيجابيةً أكثر وأعظم من ذلك؟! وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا وَبَعْضُهُمْ أسْفَلَهَا، وَكَانَ الَّذِينَ فِي أسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا! فَإنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أرَادُوا هَلَكُوا، وَهَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجُوا جَمِيعًا" (رواه البخاري).

نماذج من الإيجابية

1- مؤمن آل فرعون:

قصة تقع في قلب سورة يس، قلب القرآن، فهي قصة في قلب القلب، ربما لأنها تعد رمزًا للإيجابية وتحمل المسئولية، وبطلها رجل عادي بسيط لا نعرف اسمه حتى الآن.

يقول تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِم اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14) قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ (15) قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16) وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ (17) قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19)﴾ (يـس).

فرغم أن المدينة أرسل الله لها ثلاثة من الرسل دفعة واحدة وهم أمر يستحق التفكير، إلا أن المثير للدهشة، أن يتحرك هذا الرجل العادي البسيط، ويأتي من أقصى المدينة، لينصح أهلها باتباع رسالة الأنبياء.

تحمل للمسئولية، وشجاعة، ووعي بدوره في الحياة وإصلاح شئون قريته.

2- صاحب النقب:

حاصر المسلمون حصنًا في إحدى غزواتهم إلا أن هذا الحصن لم يفتح.. فقام قائد جيش المسلمين (مسلمة بن عبد الملك) مناديًا.. من منكم سيدخل النقب (وهي فتحة إلقاء الفضلات والقاذورات إلى الخارج!!)، فإن كُتبت له الشهادة فاز بالجنة، وإن كُتبت له النجاة ذهب لباب الحصن فيفتحه ويكبر فيدخل جند الإسلام منتصرين بإذن الله.

فخرج رجل ملثم، وقال: أنا من سيدخل النقب.

تقدَّم الرجل من الحصن، ودخل النقب وسمع المسلمون صوت التكبير، ورأوا الباب يفتح فدخلوا وفتحوا الحصن، يقف قائد المسلمين وينادي صاحب النقب ليخرج له، إلا أنه لم يخرج أحد!! فيقف في اليوم التالي وينادي، ولكن أحدًا لم يخرج! فيقف في اليوم التالي ويقسم على صاحب النقب بأن يأتيه في أي وقت يشاء من ليل أو نهار، وبينما القائد جالسًا في خيمته، إذ يدخل عليه رجل ملثم، فيقول مسلمة: هل أنت صاحب النقب؟ فيرد الرجل: أنا رسول منه، وهو يشترط ثلاثة شروط حتى تراه.

فقال مسلمة: ما هي؟ فقال الرجل: ألا تكافؤه على فعله، وألا تميزه عن غيره من الجند، وألا ترفع اسمه للخليفة.. فقال مسلمة: له ما طلب.. فأماط الرجل اللثام وقال أنا صاحب النقب.

لقد كانت إيجابية صاحب النقب إيجابية أصيلة تنبع من شخصية فاعلة لا تستسلم للواقع والظروف، شخصية لديها حماس للتغيير وحل المشكلة، وفوق ذلك شخصية لا تهدف للمنظرة والشهرة، فهو يقوم بالعمل بإخلاص، يريد به وجه الله وثوابه وجنته، إنها الإيجابية في معناها المثالي.

وغيرها من قصص الإيجابية في الإسلام، مثل موقف الصحابي الجليل سلمان الفارسي، في غزوة الأحزاب وفكرة حفر الخندق، وموقف السيدة صفية في واقعة قتل اليهودي في نفس الغزوة، وقصة السيدة هاجر في البحث عن الماء لابنها إسماعيل رغم أنها ترى على مرمى البصر صحراء قاحلة لا أمل فيها.

متى تكون إيجابيًّا؟

يكون لديك سلوك الإيجابية إذا توفرت فيك الشروط الآتية:

1- الجرأة:

فلا يمكن أن تكون إيجابيًّا وأنت خجول، تخشى مواجهة الناس ومناقشتهم، ودفعهم إلى الصواب ولومهم على الخطأ.

2- العلم:

لا بد أن تنصح الآخرين عن علم ووعي، يجبر الناس على استماعك واحترام وجهة نظرك حتى وإن لم يقتنعوا برأيك.

3- الصبر:

طالما أنك ستحتك بالبشر، فلا بد أن تتوقع أذاهم ومضايقتهم وسلبيتهم، ولكن توقع أيضًا الرضا والثواب العظيم من الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".

4- عدم التهور:

فتغيير الواقع يتطلب حسابات تحقق الفائدة للناس والمجتمع والدين، حتى لا يكون الفعل سببًا في الضرر لهم، قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية 125).

أنواع الإيجابية

هناك ثلاثة أنواع من الإيجابية تستطيع أن تقوم بأي منها أو تقوم بها كلها:

1- أن تقوم بفعل صحيح، قال تعالى: ﴿وَقُلْ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: من الآية 105).

2- أن تمنع فعلاً خطأً، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرًا فليغيره...".

3- أن تقدم فكرة جديدة ابتكارية، تؤدي إلى فعل الصحيح أو منع الخطأ بصورة أفضل (الصحابي سلمان الفارسي رضي الله عنه في ابتكار حفر الخندق).

إن الإيجابية سلوك يحتاجه المجتمع المسلم بشدة هذه الأيام، وهو سلوك نحتاج إلى أن نغرسه في جيل كامل إذا ما كنا نريد النهضة لأمة ضاقت من فسادها ومفسديها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ