الحديث عن علو الهمة ضرورة ملحة، تفرضها طبيعة الحياة، وحقيقة الدين الذي نحمله، وفظاعة بؤس الواقع الذي نعيش.

فالحياة مقرونة بالمشقة، محفوفة بالصعاب، مرهونة بالأعباء، لا تتحقق فيها الغايات إلا بالسعي المتواصل، وكثير من الجهد والتعب، وما أكثر الذين يتحدثون- حين يقطفون ثمار نجاحهم- عن صعوبات الرحلة وتحدياتها، وكيف أنهم بذلوا جهودًا مضنيةً، وحرموا أنفسهم كثيرًا من الملذات والمتع، وأنهم منعوا أنفسهم الراحة، وألزموها السهر والتعب..

فغدت هذه المفردات بعد قطف الثمرة أنشودةً عذبةً، وقطعةً نادرةً، لا تُنسى مفرداتها، ولا تغيب لحظاتها؛ لأنها مهَّدت الطريق ويسَّرت السبيل، إلى علو وعز وراحة عظيمة.

فالإنجازات العظيمة، والفتوحات الكبيرة، لم تتحقق إلا بعلو الهمة، الذي من متطلباته التعب والجد.

كما أن ديننا الحنيف يحثنا على الجد والاجتهاد والنصب لتحقيق أهدافنا وغاياتنا ولا نكل ولا نمل حتى نحققها وهذا كان دأب أسلافنا من الجيل الأول من الصحابة رضوان الله عليهم، وكان هذا سلوكهم ومنهجهم الذي تعلموه من المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكان شعارهم في هذا قول الحق تبارك وتعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: من الآية 148).

وواقع أمتنا البئيس والذي يندى له الجبين، يحتاج لأولي العزم والهمة من الرجال؛ لينهضوا به ويغيروه ويعيدوا الأمجاد التليدة بجهدهم وعرقهم وعلو همتهم.

تعريف الهمة:

الهمة: هي الباعث على الفعل، وتوصف بعلو أو سفول.

وعرفها البعض: "بأن يستصغر المرء ما دون النهاية من معالي الأمور".

قال أحد السلف: همتك فاحفظها، فإن الهمة مقدمة الأشياء، فمن صلحت له همته وصدق فيها، صلح له ما وراء ذلك من الأعمال.

همَّة المؤمن أبلغ من عمله:

فالمسلم مطالب ببذل الجهد وإفراغ الوسع وهو ما سيجزى عليه وليس عليه تحقيق النتائج، قال صلى الله عليه وسلم: "من همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة" رواه البخاري.

وقال صلى الله عليه وسلم: "من سأل الله الشهادة بصدقٍ، بلَّغه الله منازل الشهداء، وإن مات على فراشه" رواه مسلم وغيره.

وقال صلى الله عليه وسلم فيمن تجهز للجهاد، ثم أدركه الموت: "قد أوقع الله أجره على قدر نيته" رواه الإمام أحمد وغيره.

وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من امرئٍ تكون له صلاة بليل، فغلبه عليها نوم، إلا كُتب له أجر صلاته، وكان نومه صدقةً عليه" رواه النسائي وأبو داود.

بل قد يتفوق المؤمن بهمته العالية ونيته الصادقة كما بيَّن ذلك المعصوم صلى الله عليه وسلم في قوله:

"سبق درهم مائة ألف"، قالوا: يا رسول الله، كيف يسبق درهم مائة ألف؟!، قال: "رجل كان له درهمان، فأخذ أحدهما، فتصدق به، وآخر له مال كثير، فأخذ من عَرْضها مائة ألف" رواه أحمد وغيره.

أهمية علو الهمة

كل عمل جاد يحتاج إلى همة لإنجازه، وعلى قدر عِظَم هذا الشيء تعظُم الهمة المطلوبة لتحقيقه، فكلما سما الهدف سما الجهد المبذول لتحقيقه.. يقول الإمام ابن القيم: "لا بد للسالك من همَّة تسيِّره وترقِّيه، وعلم يبصِّره ويهديه".

وتتجلى أهمية التحلي بهذه الصفة الجليلة فيما يلي:

تحقيق تمام العبودية لله: فصاحب الهمة العالية عبدٌ لله وحده، متحرر من الانغماس في هواه ومن ذُلِّ نفسه للمال، ومِن تتبُّع شهواته.. يتحرر من عبوديته للأشخاص.. هو إنسان لا ينقاد لتسلط الأمر الواقع، بل يعمل لتغييره بما يوافق أحكام دينه.. هو لا يرضى لنفسه أن تنقاد لغير الله، بل يتطلَّع ليوم تعلو فيه رايةُ الإسلام ويعمل لأجل ذلك.

تحقيق الصعب من الأهداف: مما يعده عامة الناس خيالاً أو يستصعبون تحقيقه، ومن ذلك بناء الرسول- صلى الله عليه وسلم- أعظم أمة أخرجت للناس، وتربيته جيلاً قرآنيًّا فريدًا خلال 23 سنة، وأبو بكر الصديق يُنهي في أقل من سنتين فتنة المرتدين، ويُرجع الجزيرة إلى حظيرة الإسلام.

فالإنسان العادي يستصعب تلك الأعمال، ويجعلها من المستحيلات، لكن صاحب الهمة العالية المرتبطة بهدف نبيل وغاية عزيزة له نظرة أخرى، فهو مرتبط تمام الارتباط بالله يستمد منه العون والمدد.

والدعاة سيحققون أهدافهم العظيمة وغاياتهم النبيلة بهممهم السامية في مجالات شتى، مقتدين بالرسول الكريم وبصحبه الأبرار.

البعد عن سفاسف الأمور.. فعالي الهمة لا ينظر إلى سفاسف الأمور وينظر إلى عظيمها فوقته أكبر من أن يضيع في أمور تافهة تضيع عليه وقته وجهده. فهو يستفيد من أوقاته أيَّما استفادة، فتكون مثمرةً بنَّاءةً، فساعاته محسوبة، وأيامه لا تضيع سدًى.

قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها".

علو الهمة في القرآن والسنة

في القرآن:

تعددت نصوص القرآن التي تحث المؤمنين على ارتياد معالي الأمور، والتسابق في الخيرات، وتحذيرهم من سقوط الهمة:

فمنها: ثناؤه سبحانه وتعالى على أصحاب الهمم العالية، وفي طليعتهم الأنبياء والمرسلون، وفي مقدمتهم أولو العزم من الرسل، وعلى رأسهم خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم.. ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: من الآية 35).

ومنها: أنه عبَّر سبحانه عن أوليائه الذين كبرت همتهم بوصف الرجال في مواطن البأس والجلد والعزيمة والثبات على الطاعة، والقوة في دين الله ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (التوبة: من الآية 108).

﴿.... يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ (36) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ...﴾ (النور).

﴿مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً (23)﴾ (الأحزاب).

ومنها: أنه سبحانه أمر المؤمنين بالهمة العالية، والتنافس في الخيرات.. ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (البقرة: من الآية 148).

ومنها: ذم ساقطي الهمة وتصويرهم في أبشع صورة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)﴾ (الأعراف).

في السنة الشريفة:

قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إن الله تعالى يحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها".

قال صلى الله عليه وسلم: "إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها، فليغرسها".

وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس؛ فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".

وقال صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه: "إذا سأل أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه عز وجل".

خصائص عالي الهمة

إن عالي الهمة يجود بالنفس والنفيس في سبيل تحصيل غايته وتحقيق بغيته؛ لأنه يعلم أن المكارم منوطة بالمكاره، وأن المصالح والخيرات لا تنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب: قال السلف: "يا عالي الهمَّــــة.. بقَدْر ما تَتَعنَّى، تنالُ ما تتمنَّى".

فعالي الهمة يُرى منطلقًا بثقة وقوة وإقدام نحو غايته التي حددها على بصيرة وعلم، فيقتحم الأهوال، ويستهين الصعاب.

من أراد الجنة.. سلعةَ الله الغالية لم يلتفت إلى لوم لائم، ولا تثبيط مثبط، بل يمضي يكدح في السعي لها مصداقًا لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)﴾ (الإسراء)، قال صلى الله عليه وسلم: "من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة".

لا ينقُضُ عَزْمه.. فعالي الهمة عقد العقد مع الله وبايعه سبحانه وعزم على أن يبذل كل جهده، وعزمه وطاقته لتحقيق أهدافه، متمثلاً قوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 159).

قال أحد السلف: "ما عقدت لله على نفسي عقدًا، فنكثته".

لا يرضيه إلا معالي الأمور.. إن عالي الهمة لا يرضى بأن يحتل هامش الحياة، بل لا بد أن يكون في صلبها ومتنها عضوًا مؤثرًا فيها، يعلم أنه إذا لم يزد شيئًا في الدنيا فسوف يكون زائدًا عليها، إن كبير الهمة نوع من البشر تتحدى همته ما يراه مستحيلاً، وينجز ما ينوء به العصبة أولو القوة، ويقتحم الصعاب والأهوال، لا يلوي على شيء له همم لا منتهى لكبارها، متمثلاً قول السلف: "أعظم الناس وسعًا أعظمهم إيمانًا".

عملة نادرة.. يصدق عليهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "تجدون الناس كإبل مائة، لا يجد الرجل فيها راحلة"، وهم في الناس ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين. وقد كانوا إذا عدوا قليلاً فقد صاروا أعز من القليل.

لا يرضى بما دون الجنة.. إن كبير الهمة لا يعتد بما له فناء، ولا يرضى بحياة زائلة، همه حياة مخلدة، فهو لا يزال يحلق في سماء المعالي، ولا ينتهي تحليقه دون عليين، فهي غايته العظمى، وهدفه الأسمى.

شريف النفس.. وعالي الهمة يعرف قدر نفسه، في غير كبر، ولا عجب، ولا غرور، وإذا عرف المرء قدر نفسه، صانها عن الرذائل، وحفظها من أن تهان، ونزهها عن دنايا الأمور، وسفاسفها في السر والعلن، وجنبها مواطن الذل بأن يحملها ما لا تطيق أو يضعها فيما لا يليق بقدرها، فتبقى نفسه في حصن حصين، وعز منيع لا تعطى الدنية، ولا ترضى بالنقص، ولا تقنع بالدون.

عصامي لا عظامي.. فكبير الهمة عصامي يبني مجده بشرف نفسه، لا اتكالاً على حسبه ونسبه، ولا يضيره ألا يكون ذا نسب، فحسبه همته شرفًا ونسبًا، فإن ضم كبر الهمة إلى نسب كان كعقد علق على جيد حسناء.

مجالات علو الهمة

البحث عن الحق.. حفل التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه بنماذج رائعة من المهتدين الذين ارتفعت همتهم في البحث عن الدين الحق وبذلوا في سبيل ذلك النفس والنفيس، فصاروا مضرب الأمثال، وحجة لله على خلقه أن من انطلق باحثًا عن الحق مخلصًا لله تعالى، فإن الله عز وجل يهديه إليه، ويمن عليه بأعظم نعمة في الوجود.. نعمة الإسلام.

العبادة والاستقامة.. فهما غاية المسلم ونهاية أمانيه وهما المجال الحقيقي للمنافسة، قال الحسن: "من نافسك في دينك فنافسه، ومن نافسك في دنياه فألقها في نحره"، قال أحد السلف: إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل.

الدعوة إلى الله.. من أعظم ما يهتم به الداعية هداية قومه، وبلوغ الجهد في النصح لهم، كما يتضح ذلك جليًا لمن تدبر سير المرسلين، خاصة خاتمهم وسيدهم محمد صلى الله عليه وسلم.

إن المتأمل لقوائم عظماء رجالات الإسلام من الرعيل الأول ليرى أن علو الهمة هو القاسم المشترك بين كل هؤلاء الذين اعتزوا بالإسلام، واعتز بهم الإسلام، ووقفوا حياتهم لحراسة الدين وخدمة الأمة، سواء كانوا علماء أو دعاة أو مجددين أو مجاهدين أو مربين أو عبادًا صالحين.

ولو لم يتحل هؤلاء العظام بعلو الهمة لما كان لهم موضع في قوائم العظماء ولما تربعوا في قلوب أبناء أمتهم، ولما تزينت بذكرهم صحائف التاريخ ولا جعل الله لهم لسان صدق في الآخرين.

الجهاد في سبيل الله.. فنصرة الدين وتحقيق أهدافه ومراميه تحتاج لجهاد كبير، مشتملاً على كل أنواع وضروب الجهاد ولن يتحقق هذا إلا بأصحاب الهمة العالية متمثلين قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (الفتح: من الآية 29).

أسباب انحطاط الهمم

حتى نبعد عن انحطاط الهمم لا بد أن نتعرف على أسباب ذلك الانحطاط.

1- إهدار الوقت الثمين في فضول المباحات.. قال صلى الله عليه وسلم: "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ".

2- الفتور.. قال صلى الله عليه وسلم: "إن لكل عمل شِرَّةً، ولكل شِرَّة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت إلى غير ذلك فقد هلك".

3- الوهن.. كما فسره الرسول صلى الله عليه وسلم: "حب الدنيا، وكراهية الموت".

4- العجز والكسل.. قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ (46)﴾ (التوبة).

5- التسويف والتمني.. وهما صفة بليد الحس، عديم المبالاة، الذي كلَّما همَّت نفسه بخير، إما يعيقها بسوف حتى يفاجئه الموت، وإما يركب بها بحر التمني، وهو بحر لا ساحل له، يدمن ركوبه مفاليس العالم.

6- ملازمة سافل الهمة من طلاب الدنيا.. قال صلى الله عليه وسلم: "إنما مَثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يُحْذِيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبةً، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحًا خبيثة".

7- استغراق الجهد في التوسع في تحقيق مطالب الأهل والأولاد بلا ضابط ولا حاكم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (التغابن: من الآية 14).

كيفية الارتقاء بالهمة؟

1- التعلق بالآخرة وجعل الهموم همًّا واحدًا: قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19)﴾ (الإسراء)، وقال صلى الله عليه وسلم: "من كانت همّه الآخرة، جمع الله له شملَه، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا راغمة، ومن كانت همّه الدنيا، فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب الله له".

2- مصاحبة أولي الهمم العالية: "من يؤثر فيك فعله قبل مقاله" ومطالعة أخبارهم.. قال صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس ناسًا مفاتيح للخير مغاليق للشر".

3- الدعاء.. لأنه سنة الأنبياء، وجالب كل خير، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "أعجز الناس من عجز عن الدعاء" فالالتجاء إلى الله تعالى أن يقوِّيَ إرادتنا وعزيمتنا، ويشحذ من هممنا، والدعاء بإخلاص وتذلل وقت الأسحار، وتحري أوقات الإجابة.

4- التركيز على معالي الأمور.. قال الحسن: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.

5- قبول النصيحة.. قال صلى الله عليه وسلم: "إن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".

6- المثابرة والعمل الدءوب في كل الظروف.. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (العنكبوت: من الآية 69).

7- كثرة ذكر الموت.. قال عطاء: كان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء، فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ويبكون.

8- مجاهدة النفس: وهي أهم وسيلة تأخذ بيدك للمعالي.. يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت)، بأن تطلب العلم وتدعو إلى الله تعالى، يكون لك تميز في أعمالك، تخطط لمشروع دعوي بارز، كل ذلك يحتاج إلى مجاهدة ومصابرة وسهَر وإشغال فكر.!

9- قراءة سير سلف هذه الأمة.. يقول الإمام ابن الجوزي: "وعليكم بملاحظة سير القوم، ومطالعة تصانيفهم وأخبارهم؛ فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم".

10- اعتراف الشخص بقصور همته، واعتقاد إمكانية تطويرها دون يأس ولا عجلة.

11- العلم والبصيرة.. العلم يصعد بالهمة، ويرفع طالبه عن حضيض التقليد، ويُصفِّي النية.

12- البعد عن البيئة المثبطة للهمة وكل ما يقرب إليها: والابتعاد عن كل ما مِن شأنه الهبوط بالهمة وتضييعها، فكل إنسان أعرفُ بنفسه وبما يؤثر فيها ويحبطها، ومن ذلك: الانهماك بتحصيل المال، كثرة التمتع بالمباح، وأن يكون هو الشغل الشاغل.

حال الأمة عند سقوط الهمة

إن سقوط الهمم حليف الهوان، وقرين الذل والصغار، وهو أصل الأمراض التي تفشت في أمتنا، فأورثتها قحطًا في الرجال، وتقليدًا أعمى، وتواكلاً وكسلاً، واستسلامًا لما يسمى الأمر الواقع.. فإذا تفشت في أمة هذه الأمراض دب فيها الهوان والذل والانكسار وكانت في ذيل الأمم.

فكل ذل يصيب الإنسان من غيره، ويناله من ظاهره: قريب شفاؤه، ويسير إزالته، أما إذا نبع الذل من النفس، وانبثق من القلب، فهو الداء الدوي، والموت الخفي.. الذي يُذهب تاريخ الأمم وحاضرها بل ومستقبلها.

أثر عُلُوّ الهمَّة على الفرد والأمَّة

إن أصحاب الهمم العالية هم الذين يقوون على البذل في سبيل المقاصد العليا والأهداف الجليلة، وهم من يبدلون أفكار العالم، ويغيرون مجرى الحياة بجهادهم وتضحياتهم، ومن ثَمَّ فهم القلة التي تنقذ الأمة، وهم الصفوة التي تباشر مهمة "الإنقاذ" من حال الوهن والإحباط.

إن الأمة التي تهتم بالنابغين، تصنع بهم مستقبلها المشرق؛ لأنهم يُصْلِحون أمرها، ويسهمون في ازدهارها، والأمة التي تهمل رعاية نابغيها سوف تشقى حين يتولى أمورها جهلة قاصرون يوردونها المهالك، أو مرضى نفسيون معقدون يسومونها سوء العذاب، أو سفلة أصحاب نفوس دنيئة وهِممٍ خسيسة يبيعونها لأعدائها بثمن بخس، فعلى الأمة وقادتها ومصلحيها ودعاتها العمل الجاد والحثيث لترسيخ معاني علو الهمة في نفوس أبنائها لترتقي، وتستعيد مجدها وعزها وكرامتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــ