أدهم شرقاوي

في مرحلةٍ من عمره، اعتزل الإمام مالك الناسَ عشرين سنة، ما كان يشهدُ فيها صلاة الجمعة ولا الجماعة ولا يُشيّع جنازة، ولا يعودُ مريضًا،

فلما سُئِلَ بعد ذلكَ عن سبب هذا قال : ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره !

استطرادًا –وليس هنا مربط الفرس- حاولتُ أن أعرف في أي مرحلة من عمر الإمام مالك كانت هذه العزلة، فلم أجد جوابًا شافيًا، والذي أرجحه وقد أكون مخطئًا أنها كانت في خلافة أبي جعفر المنصور،

فالثابت تاريخيًا وفقهيًا أن من مذهبه قوله الشهير: "ليس على مستكره طلاق" والمعنى من أُكره على طلاق امرأته بالتهديد بالقتل أو غيره فلا يقع طلاقه على امرأته، فاتخذ الذين رفضوا بيعة أبي جعفر المنصور هذه الفتوى وأنزلوها منزلًا سياسيًا أن من بايع خائفًا على نفسه فليس في عنقه للمنصور بيعة، وعمل الوشاة عملهم فأوغروا صدر الخليفة على الإمام فجلده حتى قيل أن كتفه انخلعت من مكانها، وقد يكون اعتزل الناس بعدها والله أعلم !

أما مربط الفرس فهو قوله رضي الله عنه: ليس كل الناس يقدر أن يتكلم بعذره!

الناس حشريون كما تعرفون، وهم كما تصفهم حكيمة الدهر جدتي بقولها : يريدون أن يعرفوا البيضة من باضها والدجاجة من جاجها !

يقع طلاق بين زوجين، والبيوت أسرار، وثمة أمور لا تُشكى ولا تُحكى، يشعر المرء بالحرج في الحديث عنها، سواءً كان صاحب الحق أو عليه الحق، ولكن الناس يريدون أن يعرفوا ولا غاية من هذه المعرفة إلا المعرفة، فلا هم في صلحٍ قرروا أن يمشوا ، ولا هم في ترميم ما أفسده الدهر قرروا أن يسعوا !

تعتذر امرأة من صديقاتها عن مرافقتهم إلى حفل زفاف، ينسين الزفاف وينشغلنَ لماذا قررت أن لا تذهب معهنّ، الأولى تريد أن تعرف إن كان زوجها لم يعطها ثمن فستان ترتديه، الثانية تريد أن تعرف إن كانت على خلاف مع حماتها، الثالثة تريد أن تعرف إن كانت تكره العروس، ولا هدف من المعرفة إلا المعرفة التي تسبب لصديقتهن حرجًا أكثر من حرج عدم الذهاب نفسه !

لماذا لا تذهب في إجازة يا فلان؟

ولماذا لا تغيرين أثاث بيتكِ يا فلانة؟

لماذا لم تُلبِ دعوة فلان، ولماذا لا تزورين أهلكِ؟

الذي يسألك لماذا لا تذهب في إجازة لن يعطيك تكاليف إجازة إن أخبرته أن المانع مادي، ولن يصحبك إلى طبيب إن أخبرته أن المانع صحي، ولكنها حشرية الناس !

التي تسألك لماذا لا تغيرين أثاث بيتك وهي تخبرك كيف غيرت هذا وذاك تريد فقط أن ترفع ضغطك، ولن تقدم لك حلًا مهما كان السبب الذي قلتيه لها!!

والذي يسألك لماذا لم تلبِ دعوة فلان يريد فقط أن يتأكد من السيناريو الذي تخيله بينك وبين فلان فقط !

والتي تسألك لماذا لا تزورين أهلكِ تريد أن تستمتع بأسرار بيتكِ ولو قلتِ لها المشاغل والالتزامات ستقول لكِ غير معقول، وغير معقول تعني هاتي المخبوء يرحمكِ الله !

الإنسان غالبًا يتكيف مع ظروفه مهما كانت سيئة، وحدها حشرية الناس هي التي تفسد عليهم تكيفهم هذا، يبقى قليل الراتب صابرًا حتى يأتيه من يريد أن يعرف كيف يكفيه، وتبقى الزوجة المحتسبة صابرة حتى تأتيها من تريد أن تعرف كيف تصبر على كل هذا !

ما لكم وللناس، اتركوا المخبوء مخبوءًا حتى يقرر صاحبه أن يكشفه،

وفي هذا يقول أحد دهاة العرب: لم يغلبني إلا جارية رأيتها تمشي وفي يدها طبق مُغطى، فسألتها : ماذا في الطبق يا جارية؟   قالت : فلمَ غطيناه إذًا!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ