في موقف سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه شاهد جَليٌّ على الرجولة المرجوة والمنشودة.. إذ كان مملوكًا لأمية بن خلف الجمحي القرشي، فكان يجعل في عنقه حبلاً ويدفعه للصبيان يلعبون به وهو يقول: أحد، أحد. لم يشغله ما هو فيه عن توحيد الله، وكان أمية يخرج به في وقت الظهيرة في الرمضاء، وهي الرمل الشديد الحرارة والتي لو وضعت عليها قطعة لحم لنضجت ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتُوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللاَّت والعزى، فيقول: أحد، أحد. "نور اليقين".

فأي رجولة تلك وأي ثبات وأي إخلاص هذا؟!

إنه يتحمل كل هذا العذاب الرهيب في سبيل عقيدته، ولا يشغله عن توحيد الله فهو لا يزال يردد كلمة التوحيد: "أحد، أحد"، في تحدٍّ واضح لأمية بن خلف! لقد انتصر بلال بإيمانه الراسخ وثقته في نصر الله، وهو تحت الصخرة يلاقي شتى أنواع التعذيب، انتصر برجولته، وفي المقابل انهزم الكفر برغم بطشه وجبروته؛ لأنه لم يستطع أن ينال من عزيمة الرجال الذين ربَّاهم المصطفى صلى الله عليه وسلم، فهكذا ينبغي أن يكون الرجال من أصحاب الدعوات، وفي مواقف السيرة والتاريخ الكثير من هذه النماذج الخالدة التي سُطِّرت بأحرف من نور لتضيء لنا الطريق للعزة والرجولة.

نساء ولكن رجال وقت الشدة

خُلُق الرجولة ليس مقصورًا على الذكور فقط كما أسلفت، ولكن تتحلى به النساء أيضًا، وهناك أمثلة عدة في هذا المجال تؤكد هذا المعنى، فماذا نسمي خُلق السيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما في أثناء الهجرة وهي تتحمل الصعاب والمشقات والأخطار من حولها لكي تُوصل الطعام للنبي صلى الله عليه وسلم وأبيها في الغار، غير آبهة بما قد يصيبها لو انكشف أمرها من عذاب وتنكيل؟ هكذا ينبغي أن تكون المسلمة على أتم الاستعداد للتضحية وقت الضرورة.

وفي هذا المجال لا يمكن إغفال دور السيدة أم عمارة نسيبة بنت كعب رضي الله عنها، فهي منذ مبايعتها للرسول صلى الله عليه وسلم في العقبة، وهي في جهاد مستمر، يقول ابن حجر في "الإصابة ج4 ص457": "... وشهدت "العقبة" وبايعت ليلتئذ، ثم شهدت "أحدًا" و"الحديبية" و"خيبر" و"القضية" (عمرة القضاء) و"الفتح" و"حنينًا" و... "اليمامة".

وتقول "أم سعيد" بنت "سعد بن الربيع" دخلت عليها أي: على "أم عمارة" فقلت: حدثيني خبرك يوم "أحد" فقالت: خرجت أول النهار ومعي سقاء فيه ماء، فانتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أصحابه، والريح والدولة للمسلمين، فلمَّا انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت أباشر القتل، وأذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وأرمي بالقوس حتى خلصت إليَّ الجراحة، تقول أم سعيد: رأيت على عاتقها جرحًا له غور أجوف".

يقول الأستاذ محمد قطب معلقًا: "عندئذ ألقت أم عمارة السقاء وثارت حمية إيمانها تغلي كالمرجل في كينونتها الأنثوية، واختطفت سيفًا من يد أحد الهاربين الفارين، وقوسًا ونبلاً، ووقفت تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "(نساء حول الرسول).

وحتى عندما حذَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم من اقتراب عدو الله "ابن قمئة" منها وحذَّر ابنها ليدرك أمه، وسمعته فقالت: يا رسول الله... ادع الله أن نكون رفقاءك في الجنة.

يقول الأستاذ محمد قطب: "إنها غاية ما تتمناه في الدنيا والآخرة، إنها لا تريد سلامة في بدن بدون روح، ولا غنى ولا جاهًا ولا شيئًا من أسباب الحياة، فقط تريد أن تكون من أهل الجنة وبرفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا تكون حقيقة الإيمان، ونصاعة اليقين، ونقاء الإسلام، نقولها لأنفسنا ولأهلينا ولكل العاملين في حقل الدعوة والصحوة تَذْكِرةً وعِبرةً "(المرجع السابق).

الخنساء وأبناؤها الأربعة

كذلك نلمس خلق الرجولة في موقف الخنساء رضي الله عنها حين قُتل أبناؤها الأربعة في سبيل الله، فلم تجزع ولم تندب حظها، وقالت مقولتها الشهيرة: "الحمد لله الذي شرفني بقتلهم جميعًا".

هذه النتيجة جاءت محصلة مقدمة هي كلمتها الرائعة لأبنائها قبل المعركة!: "يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيَّرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200)﴾ (آل عمران)، فإن أصبحتم غدًا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمَّرت عن ساقها، واضطرمت لظى على سياقها، وجللت نارًا على أوراقها، فتيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها، عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم والكرامة، في دار الخلد والمقامة".

فليزنْ كلٌّ منَّا هذه الكلمات بميزان الذهب ليرى عظمة ورجولة الخنساء رضي الله عنها.

صفية.. وسمية

ويبرز أيضًا موقف السيدة صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها يوم الخندق عندما رقى إنسان من اليهود فوق الحصن حتى أطل عليهم، فقامت إليه فضربته، وفي بعض الروايات حتى قطعت رأسه؛ حتى ظن اليهود أن هناك الكثير من الرجال. كما أنها أول امرأة قتلت رجلاً من المشركين.

كما لا ننسى موقف المرأة التي ردَّت أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو الفاروق في المهابة، ومع ذلك وقفت في شجاعة لترد أمير المؤمنين وينزل على رأيها، ويقول: "أصابت امرأة وأخطأ عمر".

وهناك موقف السيدة سُمية بنت خياط أول شهيدة في الإسلام التي صبرت وصابرت، وأبلت بلاء حسنًا في رجولة منقطعة النظير حتى لقيت ربها شهيدة في سبيله غير مترخصة ولا واهنة.

رجولة الغلمان

إن الرجولة ليست بالسن المتقدمة، ولكنها بالفعل والموقف، فكم من غلام في مقتبل العمر، ولكنك ترى الرجولة المبكرة في قوله وعمله وتفكيره وخلقه والعكس صحيح.

فهذا الخلق يشمل أيضًا الصبيان والغلمان، ولنا في موقف سيدنا الإمام علي- كرَّم الله وجهه- المثل والقدوة في ذلك، حين نام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة وهو صبي غير عابئ بما قد يصيبه عند انكشاف أمره؛ لكنه موقف تهون في سبيله الأرواح، فالرجولة عمل وموقف، ولا تتقيد بسن ولا بجنس.

وفي موقف معاذ ومعوذ "ابنا عفراء" دليل آخر على رجولة الصبيان، روى البخاري عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: إني لفي الصف يوم بدر، إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدهما سرًّا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي، وماذا تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًّا من صاحبه مثله!

قال: فما سرني أنِّي بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه، وهما ابنا عفراء" (صحيح البخاري باب: فضل من شهد بدر، حديث رقم 3766).

ومرَّ عمر على ثلة من الصبيان يلعبون فهرولوا، وبقي صبي مفرد في مكانه، هو عبد الله بن الزبير، فسأله عمر: لِمَ لَمْ تعدُ مع أصحابك؟ فقال: يا أمير المؤمنين لم أقترف ذنبًا فأخافك، ولم تكن الطريق ضيقةً فأوسعها لك!

ودخل غلام عربي على خليفة أموي يتحدث باسم قومه، فقال له: ليتقدم من هو أسن منك، فقال: يا أمير المؤمنين، لو كان التقدم بالسن لكان في الأمة من هو أولى منك بالخلافة.

وليست الرجولة ببسطة الجسم، وطولِ القامة، وقوةِ البنية، فقد قال الله عن طائفة من المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَـٰمُهُمْ﴾ (المنافقون: من الآية 4)، ومع هذا فهم ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.

ـــــــــــــــــــــــــــــ