خالد رُوشه

مع اغتراب كل جميل وفاضل؛ تغترب الصفات السامية والمعاني الراقية والنماذج السامقة الرفيعة، ولا يكاد يبقى بين الناس من نماذج الأخلاق الكريمة سوى التسمية والأوصاف. ويظل الباحث عن المعالي حائرًا بين دياجير الأخلاق الخبيثة، التي قد امتلأ بها المجتمع سعيًا وراء لهاث زائل، ما يلبث أن ينقضي، ويظل يرنو إلى تحقيق تلك الصفات الشفافة بأوصافها الحقيقية لا الموهومة، وفي كل مرة يُرْهقه السير إلى استراحات إيمانية رَقْرَاقة، يرى فيها المثال، ويتعلم فيها أجلَّ المعاني.

وصفة الرجولة قد ألبسوها في عصرنا ذاك الحديث ثوبَ زورٍ لا يناسبها ولا يليق بها، ووصفوها بأوصاف تترفع عنها وتأنف أنْ تتواصل بها إلى الناس؛ إذ جعلوها تارة صفة للفحولة والذكورة، وتارة صفة للقدرة على الغَلَبة، وتارة صفة للقدرة على ظلم الغير بغير حق، وتارة صفة على طول الشوارب وفتولة العضلات!! ونحن هنا نحاول أن نميط اللثام عن الوجه الحقيقي الغائب للرجولة في الإسلام بمعانيها الرائعة الكريمة، نُبيّنها، ونجليها؛ عَلَّنا أن ننتمي إليها، فنحيي بها الدنيا ونرفع بها الدين.

أولًا-نظرة العلماء للرجولة والفتوة: قال الفضيل بن عياض: "هي الصفح عن عثرات الإخوان". فنظرة الفضيل إليها هي نظرة من وجه آخر، قد لا يتطرق إلينا ساعةَ أنْ نتحدث عن الرجولة والفتوة في الإسلام؛ فهو يراها القدرة على الصفح ونسيان الألم، الذي يلاقيه الإنسان من إخوانه في بعض الظروف، وكذا الصفح عن زلاتهم معه ومع غيره، فما من أحد إلا وله كبوة، والقوة النفسية أنْ يستطيع المرء تجاوز عَثَرات الناس والصفح عنهم، ودليلها في كتاب الله، يقول سبحانه: {وَلَمَن صَبَرَ‌ وَغَفَرَ‌ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ‌} [الشورى:43]. وقال الإمام أحمد: "ترك ما تهوى لما تخشى".

وأما الإمام أحمد -إمام أهل السنة- فينظر إلى تلك الصفة من منظور مختلف، فهو يراها القدرة على السيطرة على النفس وهواها ورغباتها وكبح جماحها؛ خوفًا من الوقوع في غضب الرب الجبار سبحانه وإشفاقًا من عذاب الله تعالى، وفيها دليل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد مَن يملك نفسه عند الغضب»، (رواه البخاري [6114]، ومسلم [2609]). وقال سهل بن عبد الله: "هي اتباع السنة".

وأما التابعي الجليل سهل فهو يراها القدرة على الثبات في متابعة السنة حتى الموت، فمَن قَدَر على متابعة السنة ظاهرًا وباطنًا؛ فهو الرجل المسلم الحق، وهو صاحب الفُتُوّة الإسلامية الحقة. وقال شيخ الإسلام: "فضيلة تأتيها، ولا ترى نفسك فيها".

ويعالج شيخ الإسلام آفةً قد تطرأ على الرجولة والفتوة بأن يرد المرءُ الخير لنفسه، ويرى القدرة منبعها ذاته، ويرد الفضل لقدرته على الفعل والمنع، فنرى شيخ الإسلام في نظرته للرجولة يؤكد على أنها فضيلة يتصف بها المرء، ويراها محض فضل من المعطي سبحانه الغنى الجواد الكريم، {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ} [النحل:53].

وقال الحافظ: "ألا تحتجب ممن قصدك". والحافظ يضيف معنى آخر لتلك المعاني، فهي عنده بَذْل الوُسْع في العطاء البدني والمالي مهما كان حالك، فلا تحتجب ممن قَصَدَك في خير، ولا تتحجَّج بحُجَّة واهية، بل أنْ تكون دائمًا مِعْطاءً ودودًا، مشاركًا لإخوانك، معينًا لهم على نوائب الضر مهما كان حالك.

وقال ابن القيم: "ألا تهرب إذا أقبل طالب المعروف". وابن القيم هنا يعالج المرض ذاته، الذي تكلَّم عنه الحافظ، ولكن يوضَّح الأمر بصورة أخص، فهو يراها الإقبال على أهل المعروف؛ للمشاركة في صنيعهم الحسن وعدم الهروب إذا أقبلوا، والأمر هنا يُداخِله العمل الدعوى وما يختص بتعليم الناس الخير وإرشادهم للإيمان، وقد علم الله سبحانه ذلك في كتابه بقوله: {وَلَا تَطْرُ‌دِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَ‌بَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِ‌يدُونَ وَجْهَهُ} [الأنعام:52]. وقال في موضع آخر: "إظهار النعمة وإخفاء المحنة".

أما في هذا الموضع فالإمام ابن القيم يرى وجهًا آخر للرجولة الإسلامية والفُتُوّة الإيمانية الحقة، فهي إظهار النعمة، والتحديث بها، وبيان الاستغناء عن الخَلْق بالخالق، وإخفاء الآلام والمحن وبث الشكوى لله وحده، فهي مظهر رفيع من مظاهر الرجولة والفتوة. ابن حزم يصف الرجولة فى دين الله: كتب الإمام ابن حزم الأندلسي في كتابه "مداواة النفوس" وصفًا عجيبًا للرجولة والمروءة في دين الله، نحاول أن نتدبره، قال: "لا يبذل نفسه إلا فيما هو أعلى منها، وليس ذلك إلا في ذات الله، في دعاء لحقٍّ، أو حماية عِرْض، أو في دفع هَوَان لم يوجبه عليك خالقك، أو في نصر مظلوم، وباذل نفسه في عَرَض الدنيا كبائع الياقوت بالحصى، فلا مروءة لمن لا دين له، والرجل العاقل لا يرى لنفسه ثمنًا إلا الجنة، وهو لا يغتبط بصفة يفوقه فيها سَبُع أو بهيمة أو جماد، وإنما يغتبط بتقدُّمه في الفضيلة التي أبانه الله تعالى بها عن هؤلاء، وهي التمييز الذي يشارك فيه الملائكة".

ثانيًا-مظاهر الرجولة وسماتها: وباستقصاء كلام العلماء الأشراف، وما اتفقت عليه مروءات الرجال عبر العصور، وأجمعت عليه عقول ذوي النُّهَى والبصيرة؛ نستطيع أنْ نُجْمِل لك جملةً من سمات الرجولة والفُتُوّة في دين الله، فمَنْ اتَّصف بها فهو الرجل الفَتِيّ، ومَن جَانَبَها فهو العاري عن تلك الأوصاف: ترك الخصومة والتغافل عن الزلة ونسيان الأذى: فلا يخاصم بلسانه، ولا ينوى الخصومة بقلبه، ولا يخطرها على باله، وهو في ذلك عاملٌ بوصف النبي صلى الله عليه وسلم للرجل من أهل الجنة: "أنه يبيت وليس في قلبه غل لأحد"، بل إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم كان كثيرًا ما يدعو في وتره بقوله: «وبك خاصمتُ، وإليك حاكمت»، (رواه البخاري [7385]، ومسلم [769]).

وأما تغافُله عن زلة غيره أمامه؛ فمعناه أن يتصنع أنه لم يره على زلته؛ لئلا يعرِّضه لكسر نفسه وشعوره بالوحشة، فيتفرد به الشيطان وحده. أن تقرِّب مَن يُقصيك وتُكرم من يؤذيك: وهي سمة للرجولة، رآها العلماء في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فكم من مؤذٍ للنبي صلى الله عليه وسلم أعطاه النبي، ثم أعطاه ليرضى! وكم من مُقْصٍ له قرَّبه ليدعوه إلى الخير والإيمان والهدى!

قال ابن القيم: "وما رأيت ممن عايشتهم قط أجمع لهذه الخصال من شيخ الإسلام ابن تيمية، فقد كان بعض أصحابه الأكابر يقول: وددت أنى لأصحابي مثله لأعدائه وخصومه، وما رأيته يدعو على أحد منهم قط، بل كان يدعو لهم". أن ينظر إلى عيوب نفسه، ولا يرى عيوب غيره المؤمنين: فلا يشتغل بنقض الناس، ولا عيوبهم، ولا يتحسس أحوالهم، أو يتجسس عليهم راجيًا نبش العيوب، بل يسترها، ويبحث في علاج حال نفسه.

أنْ يتعامل مع الناس بالحياء والأدب: وللأسف فكثير من الناس يرون الحياء نقصًا وشينًا في ذات الوقت الذي يرون فيه الوقاحة رجولةً ومهابةً!! فتغيَّرت القيم، وصار القبيح حسنًا والحسن قبيحًا! بذل النفس والمال والجهد في معونة المؤمنين ومساعدتهم، وقضاء حوائجهم في كل وقت بغير مسألة منهم.

ثالثًا-التربية على الرجولة: هناك عدة مداخل هامة لتربية الأجيال على الرجولة والفُتُوّة لزم أنْ نسوق طرفًا منها؛ إذِ التهاوُن في تطبيقها له سيئ الأثر في تشكيل الحالة التربوية لأخلاق أجيالنا الإسلامية:

تكوين النموذج المثالي في القدوة: فهي صور تنطبع في ذهن الشاب المؤمن، متراكمة عن النموذج الذي يجب أنْ يقتدي به تتكون منذ صغره من قصص وروايات الآباء والأمهات عن الفارس القوي، الذي يستطيع هزيمة الجيوش وفتح البلاد ودحر الأشرار...وهكذا.

وصفات ذلك الفارس المسلم تلك الصفات النبيلة الرائعة المتمثلة بأخلاق الشرع الحنيف، كما تنطبع في ذهنه عبر تكوين نموذج الصداقة النبيلة التي تتكون على عين الوالدين في كل مراحلها، كما تتكون عبر ما يبثّه المربون عن شخصية القدوة الفتي وسمات رجالات الإسلام، وعقد المقارنات بينهم وبين غيرهم من الدنيويين الراضين بالمتاع وغير ذلك.

نشر ثقافة الفتوة والرجولة: وأعنى بها تلك المعلومات والفعاليات المستمرة المتتالية التي تعنى بنشر المعلوماتية حول المروءة والرجولة كثقافة مضادة لثقافة التميُّع والانحلال الخُلُقي وثقافة النَّفعية الخاصة، وما اشتهر منها في الغرب.

تعميق الدور المؤسسي في التربية على مفاهيم الرجولة والفتوة: وأهم تلك المؤسسات هي المؤسسات التعليمية والإعلامية، حيث يمكن توظيف طاقات عملاقة؛ للتأثير في تغيير النمط الخُلُقي للشباب نحو المفهوم الصائب للرجولة والاتصاف بها.

الدور الفعَّال للمسجد وللخطباء والعلماء والدعاة عبر المساجد: حيث يرتادها أعداد لا زالت كبيرة بين المجتمعات المسلمة، فلزم قيام هؤلاء الموجِّهين بأدوار مختلفة، يقوم بتنسيقها القائمون على العملية التربوية.

ـــــــــــــــــــــــــــ