حسام حسن

أخبرنا ربنا عز وجل عن صفة لنبينا صلى الله عليه وسلم هي سيدة الصفات أنه بشر فقال:

"قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ "دقق في كلمة (مثلُكم) لماذا هو بشر ؟ ومثلنا ؟! لم يبعثه الله من الملائكة , أو الجن , أو أي مخلوق آخر , بل هو مثلنا , لماذا ؟؟؟

لتشعر أن النبي صلى الله عليه وسلم قريب منك , من حياتك , من معيشتك.. بيتك.. دكانك.. مرضك.. رزقك...فهو يُمثِّلُكَ أنت , فهو قدوة لك في كل جزئية من حياتك.

فالنبي صلى الله عليه وسلم يمرض وأنت تمرض , ويبكي وأنت تبكي , ويحزن ... ويأكل... وينام... ويتزوج ... ويعمل...

فهو يشعر بما تشعر أنت , ويحسّ بما تحس أنت !!! كل الأحاسيس التي تملكها هو يملكها , ولكن يختلف بشيء واحد أنه نبي "يُوحَى إِلَيَّ"

ولذلك نرى أن كل المجرمين الذين كفروا بالأنبياء استغربوا أن الأنبياء بشر!! " وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا , أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا , انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا" الفرقان/7-9

رسولٌ يأكل ويشرب ويعمل ويمشي في الأسواق مثلَنا كالبشر !! لن نؤمن به حتى ينزل معه ملَك , أو يكون معه كنز خاص به , أو أرض فيها أنواع الثمار له وحده يأكل منها !!!

بل طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم طلباً أعظم من هذا قالوا : "لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ " البقرة/55

إذا كان هو نبي فليأت الله نريد أن نراه حتى نصدق أن هذا الرجل البشر هو نبي !!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً .

فهو بشر لكنه يمثّل قمة الذوق والأخلاق ,لنتعلم منه ونتمثل بأخلاقه , ولا نستغرب عندما نسمع أن النبي صلى الله عليه وسلم :

يربط الإيمان بإكرام الضيف والإيمان بالإحسان إلى الجار لأنها كلها ذوقيات وأخلاقيات ولهذا قال صلى الله عليه وسلم :

" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه"   " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره"

ولا نستغرب عندما ندرس سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نجدها تتحدث عن لباسه وطعامه وزواجه...

"وأحسنوا رحالكم كأنكم شامة بين الناس" أي علامة جميلة بين الناس حتى يقول الناس انظروا إلى جمال هؤلاء الناس.... إنهم من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم .

حتى أننا نجد في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (كان يهتم بتسريح لحيته وشعر رأسه ولباسه) كان رسول الله راقياً في كل شيء .

تعالوا لندخل اليوم إلى بيت الزوجية لنرى ذوقه وأناقته صلى الله عليه وسلم ومعاملته مع أزواجه :

- الزوجة في وقت المحيض تكون حالتها النفسية مختلفة : أنظر هنا لذوق النبي صلى الله عليه وسلم !! تقول السيدة عائشة رضي الله عنها :

"كنت في أثناء المحيض، أشرب من الإناء فيأخذه النبي وينظر إلى موضع شفتي، ويضع فيه (فمه) على موضع شفتي "

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصد هذا في هذه الفترة على وجه التحديد ليراعي نفسيتها التي تحتاج لذلك في هذه الفترة . كان يشرب من المكان الذي تشرب منه السيدة عائشة رضي الله عنها ويأكل مما تقدمه له من الطعام , وهذه كلها ذوقيات لأنه كان يراعي المشاعر والأحاسيس بل كان يقول صلى الله عليه وسلم : " والله لا آكل حتى تأكلين ولا أشرب حتى تشربين "

- بل كان هو الذي يضع اللقمة في فمها بيده الشريفة حتى أنه قال صلى الله عليه وسلم : " أعظم الصدقة لقمة يضعها الرجل في فم زوجته "

لم تشغله الغزوات والحروب عن الأشياء الذوقية الكمالية في بيته . وهذا هو الذي جعل الناس يؤمنون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويقتربون منهم لأخلاقهم وجمالهم الروحي وذوقهم...

- بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يقولها بصراحة : عندما سأله عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: " عائشة " متفق عليه

وتقول عائشة رضي الله عنها : " كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد" البخاري

لاحظ ذوق النبي صلى الله عليه وسلم في مسألة العدل بين الزوجات :

النبي صلى الله عليه وسلم تزوج زوجاته وكلهن يسكن بجوار المسجد النبوي في المدينة المنورة والمنطقة كلها صحراوية وزوجاته تعودن على هذا المناخ ، ثم تزوج النبي بالسيدة ماريا المصرية ، إنها من أرض النيل والخضرة ، ماذا فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ لم يسكن السيدة ماريا بجانب زوجاته ، ولكنه أسكنها في منطقة تسمى العوالي : لأنها منطقة زراعية ... هذه مراعاة دقيقة لوضعها وحالتها النفسية كان يستطيع أن يسكنها مع زوجاته. لكنه لم يفعل ..

- من الذوق أن نراعي المرأة في لحظة ضعفها أو غضبها: السيدة عائشة ذات مرة وهي تجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بصوتها يرتفع في لحظة دخول سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه فكاد أن يضربها ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وحال بينه وبينها وهدأ أبو بكر ، وذهب أبو بكر ، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة منكسرة فقد كانت ستهان وتضرب الآن ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم يهون عليها :

"أرأيت كيف حلت بينه وبينك ؟ "

إنه ذوق النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع زوجته والتهوين عليها في لحظة انكسار .

أزواج كثيرين لا يتعاملون مع زوجاتهم بذوق ورقة في التعامل ، دائما يهددون : سأتزوج عليك , سأنفصل عنك , وهذا الكلام حتى ولو كان مزاحاً يجرح المرأة كثيراً.

فمن الذوقيات التي تتعلق بالأسرة والتي قد نغفل عنها أحياناً

أن يتزين الرجل لزوجته .كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم

يريد الزوج دائماً من زوجته تتزين وتتحلى له، أما هو فلا يهم ، لا يهتم بشكله وأناقته أمامها.

وهذا هو عبد الله بن عباس رضي الله عنه تعلم من نبينا صلى الله عليه وسلم أن يتجمل ويلبس اللباس الجميل فقيل له في ذلك: لمَ تفعل هذا ؟ فقال : "إني أحب أن أتزين لزوجتي كما أحب أن تتزين هي لي " أي أن أتهيأ لزوجتي كما تتهيأ هي لي . فهل نحن نراعي هذا الذوق؟!

بعضهم يقول لزوجته (أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم : النساء ناقصات عقل ودين) ويردد هذه الكلمة , فيسيء إليها ويؤذي مشاعرها , هذا الكلام غبر صحيح , النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال هذه الكلمة معناها : (ناقصات عقل :القلة خبرتها بالحياة مهمتها البيت ليست كالرجل ,ناقصات دين : كونها تأتيها الدورة أعفاها الله فيها من الصلاة والصيام ليس كالرجل الذي يصلي في كل وقت وحين )

من الذوق أن تشاركها همومها وتحدثها

يأتي الرجل من عمله الغائب فيه طوال اليوم إلى بيته متجهم الوجه ، ويجلس ليقلب القنوات الفضائية ساعات ثم يدخل لينام ! وهذا يؤذي الزوجة . صحيح قد تكون متعباً ومرهقاً من عملك طوال اليوم ، لكنك لن تكون أكثر انشغالاً من النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يجلس الساعات ليتحدث مع زوجاته ويحمل هموم أمته والدعوة ونشر الإسلام..

انظر إليه في بيته : كل زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يخبرن عنه أنه كان في بيته هاشاً باشاً ضحاكاً "أي أنه يضحك ويضحك من حوله"   وكان يجلس معنا يحدثنا ونحدثه ، فإذا أذن للصلاة كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه . كان يجلس معهن ويتحدث إليهن لم يغلق على نفسه الباب ويقول إنني متعب ومثقل بمشاكل عدة .

- القرآن تحدث عن ذوق التعامل بين الزوجين في الفراش : فالإسلام لم يترك صغيرة أو كبيرة . فقال تعالى :

"نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ، وقدموا لأنفسكم" وقدموا لأنفسكم تعني : الملاطفة والمداعبة قبل المعاشرة إنه من الذوق في العلاقة الزوجية.

من الأدب والذوق إذا أردت الدخول إلى بيتك

أن تقرع جرس الباب أولاً وتنتظر ثواني ثم تفتح الباب . وذلك لسببين :

الأول : لأن الإسلام يحب أن ترى امرأتك في أحلى صورة ويمكن يكون شعرها أو ملبسها غير مهندم فلا يجب أن تراها هكذا أعطيها فرصة أن تعدل من نفسها ، لأنه من الذوق أيضا أن تقابلك هي أيضا في أبهى صورة "إذا نظر إليها سرته"

والثاني : أن هناك رجال من طبعهم تخوين الزوجة ، والنبي يريد أن ينزع من قلبه وعقله هذه النقطة ، لأنه لا يصح ولا يجوز أن تتعامل مع زوجتك بهذه الصورة , أعطيها الأمان دائماً ، اقرع الجرس أولاً ونبهها لمجيئك ثم أدخل عليها .

- كان نبينا صلى الله عليه وسلم يخدم نفسه بنفسه : لنتأمل في حال رسول هذه الأمة وقائدها ومعلمها صلى الله عليه وسلم كيف هو في بيته مع هذه المنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة! " قيل لعائشة: ماذا كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ؟ قالت: كان بشرًا من البشر: يفلي ثوبه ويحلب شاته، ويخدم نفسه " أحمد والترمذي ليس كالأزواج اليوم الذين يقيمون الدنيا على رأس زوجاتهم إن لم يروا الطعام جاهزاً أو الثياب مغسولة أو.....

إنه نموذج للتواضع وعدم الكبر وتكليف الغير،

لا يجد ما يملأ بطنه صلى الله عليه وسلم : قال: النعمان بن بشير رضي الله عنه وهو يذكر حال النبي صلى الله عليه وسلم : " لقد رأيت نبيكم صلى الله عليه وسلم وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه " مسلم الدقل: رديء التمر

يدخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته لا يجد طعاماً فيسأل أعندكم شيء نأكله ؟ يقلن : لا فيقول : "إذاً أنا صائم" لم يصنع مشكلة ؟!

قالت عائشة رضي الله عنها : " إنا كنا آل محمد نمكث شهرًا ما نستوقد بنار إن هو إلا التمر والماء " البخاري

النبي صلى الله عليه وسلم لم يقيم مشكلة؟!!!!

- بل كان نبينا صلى الله عليه وسلم يشتغل بالبيت : ولا يشغله هذا عن الصلاة ولا عن إدارة شؤون الأمة والجهاد ونشر الإسلام , فإذا سمع حي على الصلاة حي على الفلاح لبى النداء مسرعًا وترك الدنيا خلفه.

سئلت عائشة رضي الله عنها : ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في البيت ؟ قالت: " كان يكون في مهن أهله، فإذا سمع بالأذان خرج " مسلم

خلاصة الكلام : إذا كانت زوجتك فاشلة في حياتها الزوجية بسببك أنت!! إذا كانت ناجحة بسببك أنت!! سيئة بسببك أنت !!

أنت رب البيت وسيده

- وقد ذكر الله طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباعه : في نحو من أربعين موضعًا في القرآن , لأنه لا سعادة للعباد، ولا نجاة في المعاد إلا باتباع رسوله صلى الله عليه وسلم

ــــــــــــــــــــــــــــــ