يهتم كثير من الآباء والأمهات بتربية أبنائهم وبناتهم التربية الجسدية، فهم يفرحون كلما وجدوا أبنائهم يكبرون أمامهم ويشتد عودهم، وتنموا أجسادهم، وتتضح ملامحهم، وتغاضوا مع ذلك أن يوجدوا في بيوتهم يوسف عليهم السلام بصفاته وكريم خلقه، وحسن العلاقة مع إخوته.

إن بيوت المسلمين – على كثرتها مليئة بالمصاحف التي تحتوي سورة يوسف، بل مليئة بالأجهزة الحديثة التي تصدح – أحيانا – بتلاوة سورة يوسف عليه السلام، لكن !!!! دون أن نوجد بين أبنائنا يوسف عليه السلام بأخلاقه.

تمثل قضيَّة التربية في قصَّة سيدنا يوسف عليه السلام مرتكزاً أساسياً من المرتكزات الأخلاقية التي تقوم عليها أحداث القصة، وتدعو إليها مواقفها المختلفة. وذلك عبر اللفتة الموحية والإشارة الدالة التي حملتها مسيرة القصة منذ بدايتها حتى نهايتها.

وتعد ﻗﺼﺔ ﻳﻮﺳﻒ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﻼﻡ من القصص ﺍﻟﻘﺮﺁﻧﻴﺔ ﺫﺍﺕ المغزى التربوي الرفيع، ﻓﻬﻲ ﻗﺎﻟﺐ ﺗﺮﺑﻮﻱ ﻭﻣﻨ ﺇﻋﻼﻣﻲ ﺗﻨﻔﺬ ﻣﻦ ﺧﻼﻟﻪ ﺍﻟﺪﻋﻮﺓ ﺇ ﺍﻟﻘﻠﻮﺏ ﻓﺘﻬﺰﻫﺎ وفي مكمنها ﺗﺮﺑﻴﺔ ﺷﺎﻣﻠﺔ ﻣﺘﻜﺎﻣﻠﺔ ﺗﺮ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﺍﻴﻞﺴﻠﻢ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺧﻼﻕ ﺍﻹﺳﻼﻣﻴﺔ ﻭﺍﻟﺘﻌﺎﻟﻴﻢ ﺍﻟﺮﺑﺎﻧﻴﺔ.

فسورة يوسف عليه السلام، من أعظم السور التي تعالج الجوانب التربوية داخل الأسرة، فهي سورة تتحدث عن نموذج واقعي لأسرة تتعرض كغيرها من الأسر من المشاكل والاحتكاكات، والتحاسد، والتنافس، بين الأخوة، كما تتحدث عن مسيرة شاب بدأت بطفولة طموحة، ومرت بتحديات حسية ومعنوية، ووصلت إلى قمة النجاح.

في بيتنا ولد

رزق الله عباده بالبنين والبنات لكونهم زينة الحياة الدينا مع التحذير الرباني من فتنتهم التي ربما تودي بالمرء إلى الحضيض من جهنم، مع الحث على حسن تربيتهم منذ البداية، وعدم التفرقة بينهم.

وهذا ما أدركه يعقوب عليه السلام من معاني تربوية استنشق رحيقها من سيرة الأنبياء الآباء وسار على دربها متلمسا طريق الرحمن، وحرص على تربية يوسف وإخوته على المعاني الحقيقية للإيمان، حتى برزت هذه التربية في مواقفهم الحياتية، فعلى الرغم من ضعف النفس البشرية ومحاولة تنحية يوسف عن المشهد من أجل الاستئثار بحب والدهم إلا أنهم لم ينسوا أنهم أبناء نبي وأن هذه الوسيلة – ربما – تجعلهم صالحين، ومن ثم حدث الصراع بين [اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا] وبين [وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ](يوسف:9)..وهذا هو مكمن التربية الحقيقية التي تجعل النفس حينما تقدم على معصية ربها يحدث صراع بين جينات الإيمان والجينات التي سيطر عليها الشيطان ولابد للنفس كذلك حتى ينتصر الحق.

كيف نجعل يوسف في بيتنا؟

بلا شك فكل أب وأم يحبون أبنائهم ويحرصون على سعادتهم وتوفير كل متطلباتهم – غريزة ربانية لا يستطيع أحد أن ينكرها – لكن الأهم هي تغذية العقول والقلوب، ولذا حفلت مسيرة حياة يوسف عليه السلام بالقيم التربوية التي ستنهض الإنسان من غفلته، وتدفعه للهمة العالية والسمو وسلوك السبل القويم لوجود يوسف بيننا، وأول هذه السبل:

أولا: العدل بين الأبناء

لا يستوى الأبناء في صفاتهم وأخلاقهم ودرجة حب والديهم لهم فهذا أمر أقره النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: [اللهم هذا فعلي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك]( رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه والدارمي والحاكم عن عائشة رضى الله عنها)، ويقصد به صلى الله عليه وسلم درجات حبه ومعاملاته لزوجاته.

وهذا ما وقع فيه يعقوب عليه السلام حينما ووضح عليه حبه الشديد ليوسف وأخوه دون غيره من إخوته { إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ}(يوسف8)، وظهرت في المعاملات وخوفه عليه دون غيره من أولاده{قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ}(يوسف13)، وتربية التفرقة هذه كانت واضحة على مردود هؤلاء الأبناء الذين لم يجدوا مبررا لهذه المعاملة الظاهرة مما أدى لسيطرة الحقد والحسد على قلوبهم – على الرغم من خوفهم على يوسف.

لقد كان الدافع لإخوة يوسف من الإقدام على فعل ما فعلوه معه إلا لعدم العدل الذي رأوه من والدهم نحوهم فولد حسد تملك عليهم نفوسهم نحو أحوهم رغم أن يوسف هو أخوهم الصغير الذي لا حول له ولا قوة ، وهم الأقوياء الأشداء لكن الحسد الذي ملكهم عمى أبصارهم حتى جعل أرحمهم يعترض على قتله مع موافقه على إبعاده [إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا](يوسف:8).

فمن قصتك تعلمتُ الأمة أن العدل بين الأبناء مطلب ضروري وأن الآباء يوغرون صدور أولادهم على بعضهم دون أن يشعروا.

كما أنه من الخير أن لا تقصص على الجميع كلَّ خيرٍ وهبه الله إياك لأن البعض عيونهم ضيقة وقلوبهم أضيق ينظرون إلى ما في أيدي غيرهم أكثر مما ينظرون ما فى أيديهم[لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا](يوسف: 5).

ثانيا: القوي الحق التي تتاح له الخيانة فيحجم

أحيانا يفقد الأب بعض ماله، أو تفقد الأم بعض متاعها، أين؟ ومن؟ وتظل الأسئلة حتى يكتشفوا أنه ولدهم أو بنتهم، سواء كانوا صغارا أم كبار، لماذا؟ لأنكم لم تغرسوا فيهم معنى الأمانة الحقيقية، وحرصتم على توفير كل متطلباتهم فأصبحوا لا يريدون الحرمان من شيء حتى ولو على حساب أخلاقهم التي لم يعرفوها من قبل.

فليست الأمانة ان يداعي الإنسان أنه أمين وهو عاجز عن حفظها، أو لا يستطيع فعل الخيانة – ولو تيسرت له الخيانة سارع لها – لكن ضيق ذات اليد وعدم استطاعته الخيانة جعلته يتغنى بالأمانة.. فالأمين الحقيقي الذي تتيسر له سبل الخيانة ومع ذلك لا تنطفئ في هذه اللحظات ومضات الإيمان، بل تظل تنير له ظلمات الطريق فينجو منها بقوة إيمانه وورعه.. ويوسف عليه السلام تهيأت له الخيانة بكل السبل وتزخرفت وتجملت بل ووفرت له الأمان، وكان قادر عليها، وعلى الرغم أنه تربى وسط بيئتهم وعاش ردحا من الزمن.. إلا أن روعة الإيمان والخشية من الرحمن الذي تشربها في الصغر صدته عن الإقدام على هذا الجرم [وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ](يوسف23).

فالتربية ليست التي نتعلمها في الكتب بالمدارس أو الجامعات أو نقرأها في المجلات أو نستقيها من الصحف فحسب، لكنها التربية العملية التي تحيي القلوب وتنير الوجدان.

ثالثا: إشراقات إيمانية وسط ظلمات المحن

تجتاح حياة الإنسان المحن بين الحين والآخر سواء كانت وطأتها شديدة أو ضعيفة لكنها محن قال تعالى:{ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}(البلد4)، ولذا أمرنا القرآن وسنة العدنان بحسن صناعة الرجال وإعداد الأبناء للنوازل إذا نزلت، فقال صلى الله عليه وسلم:[ اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم](رواه ابن حبان في صحيحة).

فالإنسان الذي آمن بالأنبياء وكتب الرحمن لديه ثقة في ربه ووثوق به في كل حياته فلا يخالجه شك في ربه حتى ولو كانت الأحداث في ظاهرها مؤلم واستمرت حين من الدهر.

فالطعنة لم تأت من الذئب كما أدعى إخوة يوسف لكنها جاءت منهم، وما كادوا يخبرون أباهم أن ابنه أكله الذئب إلا وقد انصهر القلب بالإيمان فنطق [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ] ثم أعقبها [وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ] لوثوقه بربه أن الأمور غير ما اخبره به أبنائه، ثم تتلاحم القصة حتى يفقد ابنه الثاني فيزداد الوثوق بالله [فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ](يوسف: 83).

ثم يفصح عن هذه الثقة الربانية فيقول:[ يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ](يوسف: 87).

وهكذا يجب أن نربي أبنائنا على الثقة التامة بالله سبحانه، وأنها مهما ضاقت فهو القادر والقدير والمقتدر.

رابعا: تطوير الواقع لا استحداث واقع

من الغريب أحيانا أن يحاول الأبن أن يطمس إيجابيات أخيه أو أخته حتى لا يحظى – أو تحظى – بثناء والديهم، بل ربما يعمل على إيجاد ما يجعله يستحق الثناء.

ولعظيم الأسف أن هذا الداء كبر حتى أصبح من المفسدات التي تتغلغل في جنبات الأمة الإسلامية خاصة في المناصب والأعمال، فلا نرى مثلا وزيرا أو مديرا جاء ليستكمل ما بدأه سلفه، لكن كل واحد يأتي ويمحوا ذكر سلفه وأعماله وخططه حتى ينسب الفضل له، وهذا داء مستشري في كل جنبات البلاد.

لكن يوسف – وقد استفاد منها الغرب- نظر للواقع فطوره واستحدث آليته، فحينما حلم الملك بوجود خطر وفسرها يوسف مؤكدا الخطر لم يتركوا الأمر كعادتهم للظروف لكن يوسف بادر [تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ](آية:47)ثم أكد مبادرته حينما وجدهم عاجزين عن التنفيذ [اجْعَلْنِي عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ](آية: 55).

للأسفّ ﺍﻟﻔﺴﺎﺩ ﻳﻜﻮﻥ ﻏﺎﻟﺒًﺎ ﻣﻦ ﺳﻮﺀ ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ ﻻ ﻗﻠﺔ في الموﺍﺭﺩ، فقد نجت ﻣﺼﺮ -وما حولها من بلدان – ﺑﻌﻘﻠﻴﺔ ﺇﺩﺍﺭﻳﺔ ﺟﺪﻳﺪﺓ ﻟﻠﻤﻮﺍﺭﺩ ﺍﻟﻘﺪﻳﻤﺔ ولم تأت بموارد جديدة.

وهكذا يجب أن نربى أبنائنا على هذه التربية التي تجعل في كل بيت من بيوتنا يوسف عليه السلام.

ــــــــــــــــــــــ