جمال زواري

يقول الرافعي رحمه الله: فهم(أي السلبيون) يأخذون السياسة مأخذ من لا يشارك فيها ، ويتعاطون الجدّ تعاطي من يلهو به، ويتلقّون الأعمال بروح البطالة ، والعزائم بأسلوب عدم المبالاة، والمباحثة بفكرة الإهمال ، والمعارضة بطبيعة الهزأ والتحقير، وهم كالمصلين في المسجد ، فمثّل نفسك نوعا من المصلين إذا اصطفوا وراء الإمام ، تركوه يصلي عن نفسه وعنهم وانصرفوا)(1).

إن السلبية داء فتّاك ، إذا انتشر في أمة أو جماعة أو حركة ، زعزع كيانها وفكّك أوصالها وهدّ أركانها ، وجعلها إمعة في فكرها وعملها ومواقفها، وتسبب في تخلفها واندحارها إلى المراتب الأخيرة في ميادين الصراع والمدافعة والمنافسة . والسلبيون كلما زاد عددهم في الصف كلما ضاقت مساحات الإيجابية ، واندثرت معالم الجدية ، وغابت مظاهر الفعالية ، وانحسرت القدرة على الإبداع ، وتوقفت مسيرة التطوير ، وتقلصت معاني التضحية والثبات ، وانتشرت ظواهر الفتور والكسل والتقاعس واليأس والتساقط والبرودة والفشل .

وقد حدد الرافعي رحمه الله بعض أهم صفاتهم:

1) ـــ يأخذون السياسة مأخذ من لا يشارك فيها: أي لا يتفاعلون مع الأحداث ،ولا يلقون اهتماما لما يجري من حولهم ، كأن الأمر لا يعنيهم ، ومن ثم يعيشون كمّا مهملا، هامشيوا التأثير ، بل منعدميه، شهود كغياب ، يتعاملون بمنطق جحا لمّا قيل له : إن الحريق قد شب في قريتكم ، قال : المهم أن لا يكون في بيتنا ، قيل له : إن الحريق في بيتكم ، قال : المهم أنني لست في البيت .

2) ـــ يتعاطون الجد تعاطي من يلهو به: أي أن الجد لا يعرف لساحتهم طريق ، بحيث يتعاطون مع كل القضايا مهما كانت جديتها وأهميتها ، بسطحية مفرطة، ولهو طفولي عابث ،حياتهم هزل في هزل ،فلا أثر لمظاهر الجدية في كل ما يقومون به ،، هذا إن كانوا يقومون بشيء أصلا، لذلك تجد أن الأحداث تتجاوزهم دوما ، وتبتلعهم في كثير من الأحيان .

3) ـــ يتلقّون الأعمال بروح البطالة : أي أنهم لا يقومون بواجب وإن صغر، ولا يقدمون عملا إيجابيا وإن قلّ ، ولا يحققون إنجازا وإن كان بسيطا ، يستلذّون البطالة والقعود، يستمرؤون الراحة ، شعارهم ناموا فما فاز إلا النوّم ، ديدنهم فراغ في فراغ في فراغ.

4) ـــ يتلقون العزائم بأسلوب عدم المبالاة: أي لا أثر للعزيمة في قاموسهم، حتى وإن تعرضت لهم العزائم من الأمور قابلوها بعدم الاكتراث واللامبالاة ، وواجهوها بعدم الاستجابة وانعدام التفاعل، يبحثون عن الرخص والترخص ، ويجفلون من العزيمة وإن كانت قطعية الثبوت قطعية الدلالة.

5) ـــ يتلقون المباحثة بفكرة الإهمال: أي أنهم مهملون غافلون ، لا يبحثون في شيء ، ولا يتباحثون في أمر أو مع أحد، ولا يهمهم ما يتباحث حوله الآخرون ، تقليديو التفكير ، إمعيو المواقف، منعدمو الطموح ، سافلو الهمة ، يتهيبون صعود الجبال ، قانعون بالعيش الدائم بين الحفر، يائسون من المعالي ، بعيدون عنها وعن أهلها ، بل عن أبسط أبجديات بلوغها.

6) ـــ يتلقون المعارضة بطبيعة الهزأ والتحقير: أي بلغة عصرنا أنهم دائما مع الواقف، اكتسح قلوبهم ظلام اليأس والإحباط، حتى جعلهم يتعاملون مع كل رأي معارض وإن كان إيجابيا مفيدا بروح منهزمة فاشلة ، لا تحسن إلا الهزأ والتحقير ،لا يؤمنون كثيرا بنظرية العلاقة بين الأحلام والحقائق التي تحدث عنها الإمام البنا رحمه الله، يكبّلون أنفسهم بعدم الوثوق في قدراتهم وإمكانياتهم ، ويوثقونها بضعف شخصيتهم ، ولا يتصورون أنهم يملكون شيئا يمكن أن ينفع الناس، لذلك تجدهم لا يشاركون برأي ، ولا يساهمون بفكرة ، ولا يتقدمون بمقترح ، إتّكاليون في تفكيرهم وفي عملهم وفي نشاطهم وفي مواقفهم .. ثم ذكر لهم ــ أي السلبيون ــ في الأخير صفة جامعة تشمل كل الصفات التي تقدمت ، وهي أنهم ينسحبون من الميدان كلية ،وينصرفون عن الميدان نهائيا ، وينعزلون عن العمل والنشاط بشكل دائم ، ويتركون الفرصة والزمان والمكان للآخرين، يقررون بدلهم ، ويصنعون الأحداث نيابة عنهم ، كالمصلين الذين يغادرون المسجد ويتركون الإمام يصلي عن نفسه وعنهم ، أو بلغة ولسان بني إسرائيل:(فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) (المائدة24).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1) ــ وحي القلم للرافعي ج3 ص 258.