فتحي يكن

ومن واجبات الأخ الداعية أن يتابع نفسه وروحه بما يصلحها ويزكيها ، وعليه أن لا يتساهل أو يلين في مراقبتها ومحاسبتها ؛ لأن النفس أمارة بالسوء ، ومداخل الشيطان إليها أكثر من أن تحصى ، ( الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ) .

ومن وصايا عمر بن الخطاب في هذا المعنى قوله : (حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا وتهيئوا للعرض الأكبر)

إن ضغوط الجاهلية التي يواجهها الداعية في حياته كثيرة ومتعددة ، فهو يشعر بغربته وشذوذ المجتمع من حوله ، وهو يحس بأن كل مظاهر المدنية الحديثة ليس لها إلا هدف الإغواء والإغراء ، وتقويض القيم والمثل العليا ، وتدمير الأخلاق والمكارم ، وإشاعة الرذائل والفواحش في المجتمع .

وهو لذلك بحاجة ماسة إلى ( صيانة ) نفسه من التأثر والانحراف ، ليقوى على المضي في الطريق الذي يرضي الله ، وليتمكن من مكافحة الجاهلية وتسديد الضربات القاضية إليها على كل صعيد .

ومسألة الصيانة هذه إن لم تتخذ في حياة الأخ شكلاً جديًّا فستبقى ـ لا محالة ـ كلمة فارغة ليس لها في وجوده أدنى مدلول أو تأثير .

من أجل ذلك أقترح على الإخوة ، سواء كانوا أفرادًا مبتدئين ، أو دعاة لامعين ، أو قادة ومسئولين ، أن يكون لهم مع أنفسهم موعد يومي للمحاسبة والصيانة ، وأقترح أن تجري المحاسبة يوميًّا على الأمور التالية ومدى التزام الأخ بها :

1 ـ إن قيام الليل ( مدرسة روحية ) لا تفوّت ، ومولد للطاقة الإيمانية لا يعدله آخر ، ولا غنى عنه بسواه ، وهذا سر قول الله ـ تعالى ـ فيه : { إن ناشئة الليل هي أشد وطئًا وأقوم قيلاً } .. فهل قمت شيئًا من ليلتك الفائتة ، نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقامًا محمودًا ؟ أم أنك كنت من الغافلين النائمين ، ساعة ينزل ربنا ـ تبارك وتعالى ـ في ثلث الليل الأخير فيقول : ( هل من مستغفر فأغفر له ؟ من يدعوني فأستجيب له ؟ من يسألني فأعطيه ؟ ) .

ثم أين أنت يا أخي من الذين وصفهم الله ـ تعالى ـ بقوله : { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } ، { كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون } ، { أمَّن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه ، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ، إنما يتذكر أولو الألباب } .

روى الطبراني في الكبير ، عن سلمان الفارسي ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( عليكم بقيام الليل ، فإنه دأب الصالحين قبلكم ، ومقربة لكم إلى ربكم ، ومكفرة للسيئات ، ومنهاة عن الإثم ، ومطردة للداء عن الجسد .. ) .

2 ـ ثم هل تعلم يا أخي بأن لله ملائكة يتعاقبون فينا بالليل والنهار ، وأنهم يجتمعون في صلاة الفجر والعصر ، ثم يعرجون إلى السماء ، فيسألهم الله ـ وهو أعلم بهم ـ : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون .. فهل أديت صلاة الفجر في وقتها مع الجماعة ، فكنت من الذين قال فيهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من صلى الصبح فهو في ذمة الله ، فانظر يا ابن آدم ، لا يطلبنك الله من ذمته شيء ) رواه مسلم .

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إن أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوًا ، ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس ، ثم أنطلق معي برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة ، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار ) .

3 ـ واعلم يا أخي أن قلبك بحاجة إلى عذب من معين القرآن ، يمنحه السكينة والطمأنينة ويكسبه الشفافية والإرهاف ، وإن المؤمنين هم الذين لهم قلوب حية نابضة مرهفة ، { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } .. فهل قرأت وردًا من القرآن بعد صلاة الفجر وذكرت الله خاليًا متضرعًا حتى فاضت عيناك ؟؟ أم أنك من الذين طال عليهم الأمد فقست قلوبهم فهي كالحجارة ؟!! .

ألم تسمع يا أخي بقول الله ـ تعالى ـ : { إن قرآن الفجر كان مشهودًا } ، وبقول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب ) رواه الترمذي ، وقوله : ( من قرأ القرآن فقد استدرج النبوة بين جنبيه ، غير أنه لا يوحى إليه ، لا ينبغي لصاحب القرآن أن يجد ـ أي أن يغضب ـ مع من وجد ، ولا يجهل مع من جهل ، وفي جوفه كلام الله ) رواه الحاكم ، ثم لا تنسى أن تقرأ القرآن وكأنه يتنزل عليك لأول مرة .

4 ـ وحين تجلس على مائدة الطعام فهلا فكرت قليلاً في الغاية التي من أجلها تأكل ، وفي هذه النعم والطيبات التي هيأها لك الله لتكون غذاء وقوة تعينك على شكره وطاعته، وتمدك بالقوة للجهاد في سبيله؟

ثم هل دققت في المصادر التي حصلت منها على هذه الأطعمة والأشربة وتحريت عن الحلال الطيب منها وتعففت عن الحرام الخبيث ؟ .

5 ـ وحين تخرج من بيتك .. ينبغي أن تدرك أن الإسلام دين عمل لا كسل ، ودين سعي لا بطالة ، وإن من واجبك كمسلم أن تنتشر في الأرض وتبتغي من فضل الله متاجرًا عاملاً مكتسبًا ، فهل قمت اليوم بقسطك من هذا الجهاد ، وأديته بإتقان وإخلاص ، عملاً بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( إن الله يحب من أحدكم إذا عمل العمل أن يتقنه ) ، ثم هل طهرت مالك بالإنفاق على الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجات ، وأديت الزكاة المفروضة فيه عليك ، وكنت بذلك من الشاكرين ؟ .

روى البخاري عن المقداد بن يكرب عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : ( ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده ، وإن نبي الله داود ـ عليه السلام ـ كان لا يأكل إلا من عمل يده ) .

6 ـ وفي الشوارع التي تمر بها ، وفي المجتمعات التي تغشاها ، هل كنت دائم المراقبة لله ؟؟ ..

ـ هل وقع بصرك على حرام فغضضته واستغفرت الله ، لعلمك بأن النظرة الأولى لك والثانية عليك ، وأن النظرة سهم من سهام إبليس ؟ .

ـ هل دعتك امرأة ذات منصب وجمال فأعرضت وقلت : إنني أخاف الله ، ثم رددت بينك وبين نفسك : { ربِّ السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه ، وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين } ؟ .

ـ هل تحريت في تجارتك الحلال من الرزق ، وإن كان قليلاً ؟ .

ـ هل فرط منك ما تعتبره مخالفة شرعية ؟ .

ـ هل استشعرت في كل عمل رقابة الله ، ووزنته بميزان الإسلام ، وتورعت عن الشبهات ، وكنت من المتقين الذين عناهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : ( لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس ) رواه الترمذي .

7 ـ والآن اسأل نفسك عن مدى استفادة الإسلام من ظروف عملك ، هل يشعر زملاؤك بأثرك الإسلامي فيهم ؟ هل قمت بزيارتهم في منازلهم لتوثيق الصلة بهم ومحاولة اجتذابهم إلى الفكرة وإلى الحركة ؟ .

إن من واجبك أن تتحرك في كل ميدان ، وأن تترك وراءك أثرًا إسلاميًّا في كل مكان ، واذكر دائمًا قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( لئن يهدي الله بك رجلاً واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها ) وفي رواية : ( .. من حُمر النعم ) .

إن لديك يا أخي متسعًا من الوقت خارج وقت عملك ، وإن من واجبك أن تقدم منه قسطًا وافرًا لدعوتك ، والوقت كالسكين إن لم تقطعه قطعك ، ووصية الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذا قوله : ( نعم العطية كلمة حق تسمعها ثم تحملها إلى أخ لك مسلم فتعلمها إياه ) رواه الطبراني .

روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه ، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا ) .

8 ـ ثم لا تنسى أن تسأل نفسك عن الأوقات التي توفرها وتنظمها لتنمية ثقافتك الإسلامية والعامة ، فأنت تعيش في مجتمع تشعبت ثقافاته ، وتعددت اتجاهاته ، وتباينت أفكاره وتصوراته ، وهذا مما يفرض عليك الإحاطة بما حولك من أفكار وتصورات لتتمكن من التحليل والتشخيص والمناقشة والنقد والإصلاح .

ـ فهل طالعت شيئًا عن الإسلام طيلة هذا اليوم ؟ .

ـ هل قرأت شيئًا تعتبره مفيدًا لثقافتك العامة الفكرية والسياسية ؟ .

روى ابن عبد البر في كتاب ( العلم ) عن معاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( تعلموا العلم ، فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة ، ومذاكرته تسبيح ، والبحث عنه جهاد ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة ، وبذله لأهله قربة ؛ لأنه معالم الحلال والحرام ، ومنار سبل أهل الجنة ، وهو الأنيس في الوحشة ، والصاحب في الغربة ، والمحدِّث في الخلوة ، والدليل على السراء والضراء ، والسلاح على الأعداء ، والزين عند الأخلاء ، يرفع الله به أقوامًا فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتفى آثارهم ، ويقتدى بفعالهم ، وينتهى إلى رأيهم .. ) .

والآن اسأل نفسك عن مدى استعدادها للبذل والتضحية في سبيل الله .. إن أثقالاً كثيرة تشدك إلى الحطام وتمرغك في الرغام ، فهل حاولت أن تتخفف من هذه الأثقال وتتحرر من سلطانها عليك ؟ .

ـ إن الخوف على الحياة ثقل يقعد بك عن الجهاد في سبيل الله .. ينبغي أن تتحرر منه .

ـ وإن الخوف على المصلحة المادية ثقل يحول بينك وبين التفرغ لدعوتك وإسلامك يجب أن تتخلص منه.

ـ وإن التعلق بالزوجة والولد والأهل والعشيرة أثقال تعيق عن الانطلاق يجب التفلت من سلطانها .

إن عليك في كل الأحوال أن تغلب مصلحة الإسلام على كل مصلحة ، وتخضع أهواءك لما جاء به الشرع ، وتكون مستعدًّا دائمًا وأبدًا للموت في سبيل الله .

روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن أبي أوفى ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( اعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف ) ، وروى مسلم في صحيحه عن عقبة بن عامر ـ رضي الله عنه ـ قال : سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو على المنبر يقول : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .. ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ) .

وروى الترمذي عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ( من لقي الله بغير أثر من جهاد لقي الله وفيه ثلمة ) .

9 ـ وأخيرًا لا آخرًا .. هل فكرت في هذا الجسد ، في حقه عليك ، وفيما ينبغي أن توفره له ليكون قويًّا جلدًا قادرًا على تحمل أعباء السفر الطويل والجهاد المرير ؟ ينبغي أن تدرك أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .

ـ فهل أديت بعض التمارين الرياضية ( المنظمة ) هذا الصباح .

ـ هل مارست شيئًا من الرماية والسباحة ، وركوب الخيل والدراجة والسيارة ، والسير ؟ .

ـ هل حاولت الامتناع عن كل ما يرهق البدن ويتعبه ، فاقتصدت في السهر والأكل والشراب ، وامتنعت تمامًا عن التدخين وتناول القهوة والشاي ؟ .

إن عليك يا أخي أن تعد نفسك لتكون جنديًّا في معركة الإسلام ، بكل ما تتضمنه كلمة الجندية من معنى ، والله يتولى الصالحين ، ويهدينا جميعًا سواء السبيل .

ـــــــــــــــــ