حمد المزروعي

الحمد لله الذي تكفل بحفظ كتابه فقال (إنَّا نَحنُ نَزَّلْنَا الذَّكْرَ وإنَّا لَهُ لَحَافظُونَ) (الحجر: 9)، وأصلي وأسلم على من أرسله الله سبحانه إلى البشرية بشيرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فقال له ربه: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ) (المائدة: 67)، فبلغه على أكمل وجه وعلَّمه أصحابه وعمل به، فتلقاه الصحابة رضي الله عنهم من حبيبهم عليه الصلاة والسلام على طريقةِ "التَلَقِّي للتنفيذ"، فكانوا لا يجاوزون عشر آيات حتى يحفظونها، فيعلمون معناها ويعملون بمقتضاها، وذلك لأن القرآن العظيم ما أُنزل ليوضع على الرفوف، ولكن نَزَلَ ليُوَحِّدَ الأمة ويُحكم الصفوف، فهو المنهج الرباني لهذه الحياة، من تمسك به نجا، ومن صد عنه ضل وغوى، وبعد:

فإن القرآن الكريم حبل الله المتين، وكلامه العظيم، فهو كما قال الكاتب الأديب مصطفى صادق الرافعي: "أُغْلِقَت دونَه القلوب فاقتَحَمَ أقفالها، وامتنعت عليه أعراف الضمائر فابتَزَّ أنفالها، وكم صَدُّوا عن سبيله صَدّا، ومن ذا يدافع السيل إذ هدر؟! ألفاظٌ إذا اشتدت فأمواجُ البحارِ الزاخرة، وإذا هي لانَت فأنفاسُ الحياةِ الآخرة، تَذْكُر الدنيا فمنها عمادُها ونِظامُها، وتَصِفُ الآخرة فمنها جَنَّتُها وضِرامُها"(1).

فحري بداعية الإسلام بعد أن سمع هذه المعاني التي يتجلى فيها القرآن العظيم أن يأخذ بعزيمته، ويجعل دأبه وفكره وعمله في هذا المنهج الرباني، وأن يبلِّغه الناس ويتخلَّق به كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخلَّق به، وذلك عندما سُئِلَت أُمُّنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلق الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: "فإنَّ خُلُقُ نَبِيّ الله صلى الله عليه وسلم كان القرآن"(2).

فَتَخَلَّق بِخُلُقِ القرآن، واعْمَل بأحكامه، وطَبِّق شرائعه، ولا تَكُنْ من الذين قال الله عنهم حكاية عن رسوله صلى الله عليه وسلم: (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا) (الفرقان: 30)

فَشَمِّرْ عن ساعِدَيْك، وخُذْ الكتاب العزيز بقوة التلقي للتنفيذ، إذْ لا نجاحَ ولا عزَّ للدعوة الإسلامية إذا تخلى أفرادُها عن العمل به وتطبيق أحكامه، واقتصروا على قراءته في المحافل والمراسيم الدولية، فنسأل الله سبحانه أن يهيئ لهذا المنهج الرباني رجالًا يأخذونه كما أخذه سلفهم الصالح من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

والحمد لله رب العالمين.ــــــــــــ

 (1) إعجاز القرآن لمصطفى الرافعي، ص 26.

(2) رواه مسلم (رقم/ 1736).