منة الله كمال

‌‎كثيرٌ مِنَّا يبحث عن السعادة، يعتقدون أن سعادتهم تتحقَّق حين يملكون ما يفتقدونه، مفهوم السعادة عندهم هو بامتلاك ما ينقصهم، ‌‎فمَنْ يملك المال، وليس لديه البنون ينظر إلى مَنْ لديه البنون، والأعزب ينظر إلى المتزوِّج، ومَنْ لديه وظيفةٌ ينظُر إلى مَنْ يمتلك وظيفةً أعلى وهكذا، ‌‎ينظُرون فقط إلى ما ينقصهم، ويريدون امتلاكه.

كثيرٌ منَّا يسمع قصة الصحابي الجليل عروة بن الزبير رضي الله عنه، فهو مثالٌ حيٌّ للصبر والرضا بقضاء الله، سوف أقُصُّها عليكم؛ لنقتدي به، ونتعلَّم منه القناعة والرضا.

وقعت الأكلة في رجل عروة بن الزبير، فصعدت في ساقه، فبعث إليه الوليد، فحُمل إليه، ودعا الأطباء، فقالوا: ليس له دواء إلا القطع، وقالوا له: اشرب المرقِد، فقال عروة للطبيب: امْضِ لشأنك، ما كنت أظنُّ أن خلقًا يشرب ما يزيل عقله حتى يعرف به، فوضع المنشار على ركبته اليُسْرى، فما سُمِعَ له حسٌّ، فلما قطعَها جعل يقول: لئن أخذتَ لقد أبقيتَ، ولئن ابتليتَ لقد عافيتَ، فالرضا بقضاء الله، والقناعة بما قسمه الله لنا، هو خير سبيل السعادة الحقيقية، فالكثيرون أصبحوا يبحثون عن السعادة، وعلى أبصارهم غشاوة، لا يرون كمَّ النِّعَم التي أنعم الله بها عليهم ويملكونها، أتعجَّب عندما أرى أشخاصًا في زماننا هذا ‌‎يملكون كثيرًا من النِّعَم التي وهَبَهم الله إيَّاها، ومع ذلك لم يستمتعوا بها؛ لأنهم دائمًا مشغولون بامتلاك ما ينقُصهم، ويجدونه مع غيرهم، فهم دائمًا ساخطون على أحوالهم، يبحثون عمَّا ينقُصهم.

‌‎فمَنْ لا يرضى بالقليل لا يرضى أبدًا، وكما جاء في حديث رسولنا الكريم: ((ما قلَّ وكَفَى خيرٌ ممَّا كَثُر وألهى))، فأصبحت القناعة والشكر عُمْلةً نادرةً في هذا الزمان، قليلٌ مَنْ يتحلَّى بها، ‌‎كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13].

‌‎إخوتي، انظروا بعين راضية إلى نِعَم الله التي تملكونها، فهي لا تُعَدَّ ولا تُحْصَى، فالسعادة الحقيقية تأتي من الرضا والقناعة بما قسمه الله لنا، استشعروا قيمة ما تملكون، وامتنوا إلى الله على نعمه؛ فالإنسان الراضي بقدره لا يعرف الحزن ولا الخراب.

ــــــــــــــــــ