إذا كانت أسمى أهداف التربية هي تكوين المسلم الصحيح العابد لله عز وجل فلا بد إذن أن تُحدث توازناً في شخصيته، ولكي تُحدث هذا التوازن لا بد أن تغذي الجوانب الأربعة لهذه الشخصية، ولا تكتفي بجانب دون آخر.

فالتوازن التربوي هو إمداد العقل بالعلم النافع وتزويد القلب بالإيمان القوي وتهذيب النفس بالتزكية وتوجيه الجسد إلى بذل الجهد في سبيل الله تعالى.

ولا يخفى عليك أننا لا نعني بهذا مجرد الإمداد العابر أو الاهتمام اللحظي لهذه الجوانب، بل لا بد من دوام الرعاية والإمداد لهذه الجوانب حتى يظهر الأثر المرجو من التربية فإن التربية عمل مكرر متتابع يهدف إلى إحداث أثر دائم في شخصية الفرد وسلوكه.

ماذا لو اهتممنا بأحد الجوانب وأغفلنا الجوانب الأخرى؟

إنه من الخطورة بمكان الاهتمام بأحد هذه الجوانب الأربعة وإمدادها دون بقية الجوانب الأخرى حيث أن هذا الأمر ينتج تشوهاً في شخصية الفرد وتظهر نتيجة لهذا التشوه ما لا يحمد عقباه.

فعندما يحدث اهتمام بتحصيل العلم دون الاهتمام بزيادة الإيمان، فستكون النتيجة المتوقعة: شخص كثير التنظير، حافظً للنصوص، كثير الحديث عن القيم والمبادئ والمعاني العظيمة، لكنك تجد في المقابل واقعا يختلف عن الأقوال والتنظيرات، فهو يتحدث عن العدل والمساواة، بينما لا يتعامل هو مع الآخرين بهذه القيم وبخاصة مع مَن يرأسهم..يتحدث عن الزهد في الدنيا وأهمية العمل للآخرة في حين يحرص على جمع المال، وينفق منه بحساب شديد، ويدقق في كل شيء، وفي أتفه الأمور.

أما عندما يتم الاهتمام بالإيمان دون العلم فستجد أمامك شخصا جاهلا مشوها يتشدد فيما لا ينبغي التشدد فيه، ويترخص فيما لا ينبغي الترخص فيه.

ستجد شخصا ضيق الأفق لا يستطيع أن يتعامل مع فقه الواقع ومستجدات العصر، ولعل في قصة التائب -قاتل المائة- ما يؤكد ذلك، فهذا الرجل الذي كان قد قتل تسعًا وتسعين نفسا ثم تاقت نفسه للتوبة فسأل عن أعبد الناس فدلوه على راهب، فذهب إليه وأخبره بما فعله ثم سأله: هل لي من توبة؟!! فكانت إجابته بالنفي تعكس مدي جهله بالله عز وجل الغفور الرحيم، فما كان من الرجل إلا أن قتله بعد أن يأَّسه من التوبة، ليكمل به الضحية المائة.

فما أضر على الإنسان من الجهل!! وما أخطر على الإنسان من ضعف الإيمان!!

أعلم ولكن لا أستطيع:

.. وفي حالة الاهتمام بالتربية النفسية والتعرف على النفس ومدى خطورتها على الإنسان مع إهمال التربية الإيمانية الصحيحة، فمن المتوقع أن تجد أمامك شخصا كثير النقد لنفسه، حزينًا على حاله وكيف أنه يكثر من الحديث عن نفسه وإنجازاته، لكنه لا يستطيع ترك ما يتضايق منه لأنه لا يجد القوة الدافعة لجهاد نفسه ألا وهي قوة الإيمان.

عبادة الذات:

أما في حالة الاهتمام بالعلم والإيمان مع عدم الانتباه للنفس، وإهمال تزكيتها، فسيكون النتاج: شخص كثير العبادة، كثير المعلومات.. سبَّاق لفعل الخير وبذل الجهد، لكنه متورم في ذاته،لا يرى نفسه إلا بعدسة مكبرة، ويرى غيره بعكس ذلك، لأن عبادته وأوراده وبذله في الغالب سيغذى إيمانه بنفسه وبقدراته وأنه أفضل من غيره، فيتمكن منه -بمرور الأيام واستمرار الإنجازات والنجاحات - داء العجب، ومن ورائه الغرور والكبر والعياذ بالله، فيعرض نفسه لمقت ربه وحبوط عمله.

تفريغ الطاقة وبذل الجهد:

ومع ضرورة الاهتمام بالتربية المعرفية والإيمانية والنفسية تأتي كذلك أهمية التعود على بذل الجهد في سبيل الله وفي دعوة الناس إليه، فلو لم يتحرك المسلم، ويعلم الناس ما تعلمه، ويأخذ بأيديهم لتغيير ما بأنفسهم بإذن الله فإنه سيصاب بالفتور والخمول والكسل، ولن يدرك أسرار الكثير من المعاني التي يتعلمها، وكيف لا، وهو لا يمارسها في الواقع العملي، كالبئر التي إذا ما تُركت ولم يستخدمها الناس أسِنت وغاض ماؤها وجفت.

خطورة الحركة بدون زاد:

وفي المقابل ، فإن الحركة وبذل الجهد في سبيل الله، إن لم يكن وراءها زاد متجدد فإن عواقب وخيمة ستلحق بصاحبها، ويكفيك في بيان هذه الخطورة قوله صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه، مثل الفتيلة، تضيء للناس، وتحرق نفسها».

... فلابد من الأمرين معا: لابد من الزاد، ولابد من التحرك بهذا الزاد.

إن العلاقة بين الزاد والحركة، كالعلاقة بين خزان المياه، وضغط المياه المتدفق من الصنبور المتصل به، فعلى حسب كمية المياه في الخزان تكون قوة تدفقها من الصنبور، فإذا نقص منسوب المياه في الخزان بشكل كبير، فإن تيار الماء ينزل ضعيفًا من الصنبور، أما إذا ما أصبح الخزان فارغا، فإن الصنبور لن يخرج (ماء)، بل سيخرج (هواءً) وهذا هو حال الداعية الذي ينسى نفسه، ولا يتزود بما يحتاجه وينفعه، فهو قد ينجح في قيامه بأعمال دعوية بين الناس، لكنها أعمال غير مؤثرة أو منتجة .. يبذل جهدا، وينفق وقتا ومالا ولكن دون أثر إيجابي يُذكر، سواء على نفسه أو الآخرين.

بأي الجوانب نبدأ؟!

بلا شك أن العلم هو البداية: "فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ" [محمد: 19]، فالعلم أساس العمل، ومع ذلك فليس المطلوب علما نظريا يعمق الفجوة بين القول والفعل، بل نريده علما نافعا راسخا يزيد القلب خشية وإيمانا.

ولأن التربية الإيمانية -بمفهومها الصحيح- تركز على معرفة الله عز وجل، وتركز كذلك على ترجمة هذه المعرفة إلى معان يرسخ مدلولها في القلب -أي أنها قد جمعت بين الخيرين- كان من المناسب البدء بجانب التربية الإيمانية.

من فوائد البدء بالتربية الإيمانية:

هناك حلقة مفقودة بين الأقوال والأفعال، والسبب الرئيس في ذلك هو ضعف الإيمان، فعندما يهيمن الإيمان الحي على القلب فإنه يولد في ذات صاحبه باستمرار طاقة عظيمة، وقوة روحية تدفعه للقيام بالأفعال التي تناسب المواقف المختلفة.. لذلك فلو تجاوزنا البدء بالتربية الإيمانية فإن الفجوة ستزداد بين الواجب والواقع.. فعلى سبيل المثال:

لو بدأنا بالتربية النفسية فإننا قد نقتنع أن بداخلنا أصنامًا ينبغي أن تزال، وأننا مصابون بداء العجب واستعظام النفس، ولكننا لن نستطيع مقاومة هذا المرض، والوقوف له بالمرصاد، لضعف القوة الروحية اللازمة لذلك.

ونفس الأمر لو بدأنا بالتركيز على التربية الحركية وبذل الجهد في سبيل الله، فسيتحول الأمر بمرور الوقت إلى أداء شكلي روتيني بلا روح، وسيزحف إلى من يفعل ذلك الشعور بالفتور والوحشة وضيق الصدر، وسيفقد تأثيره على الآخرين شيئًا فشيئًا.

من هنا تظهر الحاجة إلى البدء بالتربية الإيمانية بمفهومها الصحيح، والذي يعمل باستمرار على توليد القوة الروحية، وتنمية الدافع الذاتي، وتقوية الوازع الداخلي، وبث الروح في الأقوال والأفعال، ومن ثم يسهل على المرء بعد ذلك القيام بالأعمال المطلوبة لتحقيق أهداف التربية النفسية والحركية "إِنَّ الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ  وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ  وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ  وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ  أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ" [المؤمنون: 57، 61].

-------------------

مجدي الهلالي