جمال زواري

إن معركة الفهم هي الفاصلة في موازين التدافع والتمكين على مستوى الأفراد والجماعات، كما أنها تمثل الفارق سلبا وإيجابا في التمايز بين الأفراد والجماعات والهيئات والمنظمات في التعامل مع الأحداث والوقائع والأفكار والمواقف والأشخاص، لذلك نجد الكثير من صور التخلف والجمود الفكري، والرجعية التعاملية والتفاعلية، والسطحية التحليلية والتفسيرية للحدث والموقف والظرف والفكرة، وفي بعض الأحيان حتى الإخفاق وسوء التقدير، سببها الرئيس هو الرسوب في معركة الفهم هذه، بل يتجاوزه أحيانا إلى ما يمكن أن نسميه الفشل في تحدي فهم الفهم، كما قال المتنبي:

وكم من عائب قولا صحيحا  .... وآفته من الفهم السقيم

ومن خلال التجربة والملاحظة والمتابعة نجد أن كل هذه الصور والممارسات والسلوكات السلبية هي نتيجة عملية لتعاطي أصحابها لحبوب منع الفهم، والتي يمكن تلخيصها في العشارية التالية:

1 ــ الإمعية والتقليد:

إن الإمعية والتقليد غير المبصر والتبعية المطلقة تغيّب العقل، وتمنع استعماله، وتعطله بشكل شبه كلي عن التفكير، ومن ثم تمنع عنه الفهم، وتحول بينه وبين حصوله، لأن العقول المقلدة عادة ما تتعامل مع الأفكار بثلاثية التكرار والتمرير والتبرير، بحيث يتم تطويقها بأطواق وهمية ضيقة ، فتبقيها معطلة وصغيرة وغير قادرة على التفكير والتأمل، وبعيدة عن الفهم بشكل جيد لما يدور حولها، واضعة ثقتها المطلقة في من تقلده ليفكر بدلها ويفهم عوضا عنها، تبرر إمعيتها وتقليدها وعجزها الفهمي والإدراكي بأحد مقولات عصور الانحطاط التي تقول:((ما ترك الأول للآخر شيئا)) المكرسة لتغييب العقول و للسلبية الفكرية والعجز الاجتهادي.

2 ــ تقديس الأشخاص والأفكار:

إن التعامل مع الأفكار مهما كانت اجتهادية، والأشخاص مهما كانت بشريتهم بنوع من القداسة، يدفع إلى الثقة المفرطة في كل منهما، ويبعد إمكانية الخطأ والقصور وحتى الخطيئة عنهما، ومن ثم يريح المتناول هكذا نوع من حبوب منع الفهم عقله من مؤونة التفكير الحر والإيجابي، والمساهمة في التصويب والتقويم، بحيث يترك غيره الذي يتعامل معه بشيء من التقديس يفكر بالنيابة عنه دائما وهو يستهلك ويبلع فقط دون حتى مضغ عقلي وفكري، بحيث تسود في ظل أجواء التقديس هذه مقولة أخرى من مقولات عصور التخلف والتعصب:((كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو مؤول أو منسوخ)).

3 ــ غلبة منطق التبرير:

وهذا النوع من الحبوب المانعة للفهم مرتبط ارتباطا وثيقا بالاثنين السابقين، فعندما يكون الفرد يعاني الإمعية والتقليد دون بصيرة بسبب نظرته التقديسية للأفكار والأشخاص يلجأ بالضرورة دائما لمنطق التبرير لمن ينظر إليه هذه النظرة، فيصبح يبرر له كل أفعاله وأقواله ومواقفه مهما كان خطؤه بيّنا وقصوره واضحا، الأمر الذي يمنعه من الفهم والتبصر السليم، فلما يصدم يوما بمن أضفى عليه بعض القداسة ويبرر له دوما، ينقلب إلى الضد تماما، ويمارس معه غلوا مرفوضا في الجهة المقابلة، فينسف كل إيجابي لديه كشخص وكفكرة، وفي كلا الحالتين يكون صاحب هذه الممارسة من المدمنين على أحد حبوب منع الفهم.

4 ــ ضحالة الثقافة وأحاديتها:

كذلك فإن ضحالة الثقافة والفقر المعرفي والقحط العلمي وفراغ الجعبة الفكرية تؤدي إلى تصحر الوعي وتخلفه، وهي من الحبوب فعالة التأثير في منع الفهم وتعطيل عقل صاحبها، ففاقد الشيء لا يعطيه، فلا فهم صائب للأشياء والأفكار والأحداث دون توفر أبسط أدواته، من زاد ثقافي وعلمي ومعرفي معتبر.

كذلك فإن أحادية الثقافة والتركيز على وجهة واحدة منها دون تنويعها وتعدد مصادرها المعرفية، ورفض الآخر الثقافي والفكري وعدم الإطلاع عليه مهما كانت الإيجابيات التي يحملها هو نوع من أنواع حبوب منع الفهم التي نتحدث عنها، بحيث تجعل حكم متعاطيها على الأحداث والأفكار والأشخاص والأشياء قاصرا وأعورا، ينظر إليها ويحكم عليها بعين واحدة، وهو قادر أن ينوع ثقافته مما يوسع أفقه ورؤيته، ويعمق فهمه وفقهه، فيكون حكمه على كل ذلك أقرب للإصابة والتوازن والعمق.

5 ــ طغيان العاطفة وسيطرتها:

فالعواطف عواصف إذا طغت على عقل المرء عصفت بفهمه السليم للأمور، وحالت بينه وبين التقدير الصحيح لها، ولعل التاريخ والواقع خير شاهد على ذلك، فالكثير من الأزمات والمشاكل والإخفاقات وحتى الهزائم والكوارث التي وقعت كان سببها الرئيسي هو طغيان العاطفة وسيطرتها على العقول، وتحكمها في تقدير الموقف، دون إعطاء مساحة أكبر لعنصر العقلانية المبني على الرزانة والحكمة وتقليب الأمور من كل جوانبها، وتوسيع دوائر النظر والبصيرة، وهي كلها من مستلزمات حضور العقل والتفكير السليم والفهم الصحيح والرؤية الصائبة التي تحجبها العواطف إذا سيطرت وطغت، فتعطل العقل حينها عن أداء دوره المنوط به، فتكون أحد الحبوب التي تصيب متعاطيها فردا كان أو مجموعا بمرض سوء الفهم أو قصوره، الأمر الذي يجر إلى الويلات.

6 ــ الأحكام المسبقة والصور النمطية:

ومن حبوب منع الفهم كذلك الأحكام المسبقة والصور النمطية، بحيث يتخذ متعاطي هذا النوع من الحبوب جملة من الأحكام المسبقة والكثير من الصور النمطية ويخزنها في عقله، ليصدر من خلالها حكمه على الأفكار والأشخاص والأشياء والأحداث والوقائع، ويقيس كل ذلك بمقتضاها، وينظر بمنظارها، فتأتي أحكامه عادة لا توسط فيها ولا مرونة، وغارقة في منهج عمى الألوان القائم على ثنائيات الأسود والأبيض، الرفض المطلق والقبول المطلق، الحب والبغض، الحلال والحرام، المقدس والمدنس، الفضيلة والرذيلة، نعم ولا  وهكذا، فهو لا يرى أو بالأحرى لا يؤمن بالمسافات الموجودة بين هذه الثنائيات، مما يحرمه من الفهم السليم للأمور، والتقدير الصائب لها، والقراءة الصحيحة للأحداث،  والتعامل المتوازن مع الأشخاص والهيئات، فيتورط ويورط غيره.

7 ــ الحساسية المفرطة من النقد:

إن النقد من أهم وسائل تحريض واستفزاز الإبداع في النفوس والعقول، وتفجير الطاقات، وتحريك الإرادات، وتصحيح الأخطاء، وتجاوز القصور، وسد الثغرات، ومعالجة الخلل، ولا ينبغي لكل ذي عقل أن يقلقه النقد، أو أن تكون حساسيته مفرطة منه، حتى وإن صدر من الأعداء والخصوم والمنافسين كما قال الشاعر:

عداتي لهم فضل عليّ ومنّة    فلا أذهب الله عني الأعادي

هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها    وهم نافسوني فاكتسبت المعالي

وكلما كانت القابلية للنقد موجودة، ويتم التفاعل معه بإيجابية لدى الفرد والجماعة، كلما اتسعت آفاق الرؤية، وضاقت دائرة الخطأ، وكان التصويب ممكنا، والتطوير سهلا ميسرا، والعكس كلما كانت الحساسية من النقد مفرطة، ورفضه والتشكيك في أصحابه هو السمة الغالبة، كلما تعمق التمادي في الأخطاء، وضاقت مساحة الفهم السليم، وغابت البصيرة النافذة.

8 ـ العجلة وعدم التروي:

فالعجلة وعدم التأني في التعامل مع الأفكار والأحداث والأشخاص، يفقد الرأي صوابه، ويسلب العقل رجاحته، وينزل بالفهم إلى مدارك القصور والزلل والخلل، ويحول دون إدراك الأبعاد والمآلات بشكل صحيح، مما يورط في أفعال ومواقف وممارسات غير مأمونة العواقب، يعود ضررها على المستعجل ومن حوله، وكم أوقع الاستعجال وغياب التروي في كوارث ومآزق لا أول لها ولا آخر، ومن ثم كان أحد الحبوب المانعة للفهم والناقضة له، إذ لا فهم مع العجلة، ولا وعي مع فقدان الأناة، كما قال الشاعر:

قد يدرك المتأني بعض حاجته   وقد يكون مع المستعجل الزلل.

9 ـ سرعة الغضب وطغيان الأحقاد:

حيث أن سرعة الغضب لأتفه الأسباب، وفوران ناره لأبسط الأمور، يغيّب العقل بالكامل، ومن ثم يمنع عنه الفهم، وينسفه نسفا، كما قال الإمام ابن عقيل الحنبلي:((قلّ أن يصح رأي مع فورة طبع(غضب)))، فالشخص الغضوب كثيرا ما يذهب به غضبه إلى حرمانه من الرأي الحصيف، لذلك كان ضبط النفس والتحكم فيها عند سوران الغضب واستشاطته، دليلا لا يخطئ على رجاحة عقل صاحبه، وقوة تماسكه، وقدرته على البلع وخوض الملمّات، والتعامل مع المنعطفات الكبرى والأحداث العظيمة بشكل سوي وحكيم، وطريقة مثلى وراشدة.

أما الأحقاد فإن طغيانها على القلب تجعله كثير الاضطراب شديد الظلمة، وإذا اشتدت ظلمته بسبب دفعات الأحقاد المتتالية المسيطرة عليه، صدّرها بدوره إلى العقل، فتحجب عنه الرؤية الصحيحة، وتحرمه الفهم، وتمنعه من التقدير الصائب، حيث إن  الصدر الضيق يهدّم ما يمكن أن يبنيه العقل الواسع، وعلى العكس من ذلك فإن سلامة الصدر وصفاء السريرة وراحة البال وطهارة النفس ونقاء القلب ونجاته من سواد الكراهية والأحقاد، كلها دوافع للفهم والتفكير بشكل صحيح.

10 ـ اليأس وانسداد الأفق:

إن انسداد الأفق يمنع الرؤية، وتمكن اليأس واستفحاله لدى المرء يجعل حالته هذه تنعكس على كل سلوكاته، وتنطبع بها كل أحكامه على الأفكار والأشخاص والأحداث والأشياء، فتنتقل الصورة القاتمة المترسخة لديه جرّاء غلبة منطق اليأس والقنوط والتشاؤم عليه إلى طبيعة فهمه وإدراكه للأمور، فيحرم بذلك الإصابة والرزانة والموضوعية، ويجعل بينه  وبين الفهم السليم والنظرة الصائبة والتقدير الصحيح، حجبا كثيفة تسد أفقه، وتظلم الدنيا من حوله، كما قال الشاعر:

فاليأس يحدث في أعضاء صاحبه   ضعفا ويورث أهل العزم توهينا

توهينا على مستوى الفعل والعمل والممارسة، وكذا توهينا على مستوى العقل والفكر والفهم والمدارسة.

إن عشارية الحبوب هذه إذا تسلّطت على الفهم فإنها تفسده وتجعله قاصرا ومختلا، لأنها تقف حواجز حائلة بين العقل والتفكير السليم والرؤية الثاقبة والتقدير الصائب، وكم من النكبات والكوارث والأزمات والويلات جرّتها هذه الحبوب المانعة للفهم على الأفراد والجماعات والأوطان والأمة ككل.

ــــــــــــــــــــــــ