رسخ النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ التعايش السلمي بين المسلمين أنفسهم وبين المسلمين وغيرهم على عدة أسس تتمثل فيما يلي:-

أولاً: المواطنة: فحينما استقر النبي صلى الله عليه وسلم  في المدينة المنورة بعد الهجرة إليها أسَّس نظامًا عامًا أساسه التعايش السلمي، وبالمصطلح الحديث فإنه أرسى مبدأ المواطنة. ولا شك أننا اليوم في أشد الحاجة إلى هذا المفهوم .. مفهوم أن تعيش مع الآخر، مفهوم المواطنة، مفهوم قبول الآخر؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام وجد في المدينة مزيجاً إنسانياً متنوعاً من حيث الدين والعقيدة، وحيث الانتماء القبلي، والعشائري، ومن حيث نمط المعيشة، المهاجرون من قريش، والمسلمون من الأوس والخزرج، والوثنيون من الأوس والخزرج، واليهود من الأوس والخزرج، وقبائل اليهود الثلاثة، بنو قينقاع، وبنو النظير، وبنو قريظة ؛ والأعراب الذين يساكنون أهل يثرب، والموالي، والعبيد، وغيرهم.

مهاجرون، أوس وخزرج: منهم مسلمون، منهم وثنيون، منهم يهود، قبائل اليهود الثلاثة، أعراب، عبيد، بالمصطلح الحديث: مجتمع فسيفسائي، كبعض البلاد الإسلامية، التي يقتتل أهلها، فكيف وفق النبي بين هذه الانتماءات ؟ وبين هذه الاتجاهات وتلك الأديان ؟ بين المؤمنين بدين ؟ وبين الوثنيين ؟ بين المؤمنين بدين وهم مشركون ؟ وبين الموحدين ؟ هذا الذي نحن في أمس الحاجة إليه، كي نستطيع أن نقف في وجه أعدائنا الذين يتربصون بنا الدوائر؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم قد تعامل مع غير المسلمين من خلال مبدأ السلام والتعايش السلمي حتى مع كل من عاداه وآذاه ومع ذلك فقد غدروا به مرات عديدة، وشواهد ذلك من السنة والسيرة أكثر من أن تحصى وأنت بها خبير.

فكانت دعوته صلي الله عليه وسلم تعتمد السلام منهاجا‏,‏ والتسامح سلوكا‏,‏ فقد بدأ دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة‏, ولم يتخل يوما عن الرفق واللين في القول والعمل, عملا بقول الله تعالي: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (النحل:125) وبهذا المنهج الوسطي اليسير أسس الإسلام مبدأ التعايش بين جميع الأطياف والمذاهب المختلفة في إطار من المواطنة والعدل والمساواة والدعوة إلي التعارف والتعاون, قال تعالي: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }(الحجرات13)

ثانياً: احترام آدمية الإنسان:

فالإسلام يتعامل مع جميع طوائف البشر من خلال مبدأ التكريم الإلهي للإنسان والذي يتمثل في  قوله تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} ( الإسراء: 70) وقوله: { لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} ( التين: 4)، وقد مَرَّتْ بِالنَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِنَازَةٌ فَقَامَ؛ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ! فَقَالَ: ” أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟!” (البخاري)

ثالثا: الحرية: ومن أبرز معالم التعايش السلمي الحرية؛ فهي من أكبر مظاهر الكرامة الإنسانية والطريق إلى الإيمان الصحيح والمسئولية، حيث تركت الشريعة للإنسان حرية الاختيار والمشيئة دون جبر أو إكراه على الدين الحق، قال تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} (الكهف:29) وقال: { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ }؛ وقد شهد بذلك الغرب؛ يقول توماس آرنولد : “لم نسمع عن أية محاولة مدبرة لإرغام غير المسلمين على قبول الإسلام أو عن أي اضطهاد منظم قصد منه استئصال الدين المسيحي”.

رابعا: العدالة : ومن أهم الأسس أيضا العدالة التي نشرها الإسلام منذ أول لحظة والتي أمر الله تعالي بها قال تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا }( النساء: 58) ؛ فأمر بالعدل بين الجميع فلم يقل: وإذا حكمتم بين المسلمين بل قال: وإذا حكمتم بين الناس ليشمل الجميع.

وفي سبيل تحقيق العدالة بين الجميع نهي الرسول صلي الله عليه وسلم عن ظلم أحد من غير المسلمين فقال صلي الله عليه وسلم:” أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” [ سنن أبي داود ]؛ أي إنه يكون خصما لمن يظلم معاهدا أو واحدا من غير المسلمين.

ومن عدالة القضاء ما روى من قصة درع علي بن أبي طالب وهو أمير المؤمنين؛ فقد تنازع مع يهودي على درع، فاحتكما إلى القاضي شريح، الذي قال: «يا أمير المؤمنين هل من بينة؟» قال: «نعم الحسن ابني يشهد أن الدرع درعي»، قال شريح: «يا أمير المؤمنين شهادة الابن لا تجوز»، فقال علي: «سبحان الله رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟» فقال «يا أمير المؤمنين ذلك في الآخرة، أمّا في الدنيا فلا تجوز شهادة الابن لأبيه». فقال علي «صدقت – الدرع لليهودي». فقال اليهودي: «أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه! أشهد أن هذا الدين على الحق، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين، سقط منك ليلاً». فأهداه أمير المؤمنين الدرع. ( البيهقي في الكبرى)

ومن ذلك قصة الأعرابي مع النبي صلي الله عليه وسلم؛ فعَنْ  عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ  ، أَنَّ  عَمَّهُ  حَدَّثَهُ ، وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” ابْتَاعَ فَرَسًا مِنْ أَعْرَابِيٍّ ، فَاسْتَتْبَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْضِيَهُ ثَمَنَ فَرَسِهِ ، فَأَسْرَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَشْيَ وَأَبْطَأَ الْأَعْرَابِيُّ ، فَطَفِقَ رِجَالٌ يَعْتَرِضُونَ الْأَعْرَابِيَّ فَيُسَاوِمُونَهُ بِالْفَرَسِ ، وَلَا يَشْعُرُونَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَاعَهُ ، فَنَادَى الْأَعْرَابِيُّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنْ كُنْتَ مُبْتَاعًا هَذَا الْفَرَسِ وَإِلَّا بِعْتُهُ ، فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الْأَعْرَابِيِّ ، فَقَالَ : أَوْ لَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ : لَا وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلَى ، قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ ، فَطَفِقَ الْأَعْرَابِيُّ يَقُولُ : هَلُمَّ شَهِيدًا ، فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ : أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ ، فَأَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خُزَيْمَةَ ، فَقَالَ : بِمَ تَشْهَدُ ؟ ، فَقَالَ : بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ”  . [ سنن أبي داود ]

خامساً: البر وحسن العشرة والمعاملة:

أمر الله في القرآن الكريم المسلمين ببر مخالفيهم في الدين، الذين لم يتعرضوا لهم بالأذى والقتال، فقال: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ؛ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } (الممتحنة:8).

قال الطبري: “عنى بذلك لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم .. وقوله: { إن الله يحب المقسطين } يقول : إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم.”

وقد تجلى حسن الخلق عند المسلمين في تعاملهم مع غيرهم في كثير من تشريعات الإسلام التي أبدعت الكثير من المواقف الفياضة بمشاعر الإنسانية والرفق.

فقد أوجب الإسلام حسن العشرة وصلة الرحم حتى مع الاختلاف في الدين ، فقد أمر الله بحسن الصحبة للوالدين وإن جهدا في رد ابنهما عن التوحيد إلى الشرك، فإن ذلك لا يقطع حقهما في بره وحسن صحبته فقال تعالى: { وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا } (لقمان: 15).

وعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ أُمِّي، وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدَتُهُمْ مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» ( متفق عليه)

وروي البخاري في الأدب المفرد عن مجاهد أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول لغلام له يسلخ شاة: يا غلام إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي. فقال رجل من القوم : اليهودي أصلحك الله!؟ فقال : سمعت النبي – صلى الله عليه وسلم – يوصي بالجار، حتى خشينا أنه سيورثه. وشواهد ذلك عديدة وكثيرة .

سادساً : التكافل الاجتماعي: وهذا من أهم الضمانات التي يقدمها الإسلام لغير المسلمين – الذين يقيمون في المجتمع المسلم – كفالتهم ضمن نظام التكافل الإسلامي.

فقد كتب خالد بن الوليد لنصارى الحيرة : ” أيما شيخ ضعف عن العمل ، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه؛ طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين هو وعياله”.

وروى أن عمر بن الخطاب رأى شيخاً كبيراً من أهل الجزية يسأل الناس فأخذ بيده وذهب به إلى منزله، فرضخ له بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال فقال : ( انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم { إنما الصدقات للفقراء والمساكين} والفقراء هم المسلمون ، وهذا من المساكين من أهل الكتاب)، ووضع عنه الجزية وعن ضربائه.

وكتب الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز إلى واليه عدي بن أرطأة : “وانظر من قِبَلك من أهل الذمة قد كبرت سنه وضعفت قوته وولت عنه المكاسب؛ فأجرِ عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه”. ( الأموال ؛ أبو عبيد )

وقد سجل هذه الرعاية الفريدة المستشرق بارتولد في كتابه “الحضارة الإسلامية”، فقال :” إن النصارى كانوا أحسن حالاً تحت حكم المسلمين، إذ أن المسلمين اتبعوا في معاملاتهم الدينية والاقتصادية لأهل الذمة مبدأ الرعاية والتساهل “.

هذه هي أهم مظاهر التعايش السلمي التي يدعو إليها الإسلام من خلال قوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ } ( البقرة: 208)

ــــــــــــــــ