حامد السيد

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد

فإن النفوس المطمئنة، والقلوب المؤمنة المخبتة تتطلع إلى مواسم الخير وترتقب بشوق لا هف الأيام المباركات التي يتلذذون فيها بحلاوة الطاعة وينعمون بجلال الأنس بالله واستشعار معيته وقربه وصدق الله العظيم إذ يقول : (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج:32) والمسلم الصادق يعد لكل أمر عدته وينزل كل موسم خير مكانته فهو منظم في شئونه حريص على وقته متأدب بآدب الله يقتد بسيدنا رسول الله في كل أموره ولا يتسني لنا وضع منهج متكامل للمسلم في رمضان إلا من خلال هدْي الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم.

فما منهج المسلم في رمضان وكيف نصوم؟

أولاً: رمضان هو الشهر الوحيد الذي ورد ذكره في القرآن باسمه، وخصه الله بنزول القرآن فيه، في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر والذي ورد اسمه في أحاديث عدة من أحاديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين) متفق عليه وغيره كثير في كتب السنة المطهرة.

والصوم وما أدراك ما الصوم تلك العبادة التي نسبها الله إلى نفسه فقال في حديثه القدسي (الصوم لي وأنا أجزي به) البخاري، نعم لم يعبد أحدٌ غير الله بعبادة الصوم، والصوم عبادة لله خالصة لا حظ للنفس فيها بل إنها ضد رغبات النفس التي تعشق المرح والرتع في الملذات.

والصوم جُنَّةُ العبد من الشيطان في الدنيا ووقاية من النار في الآخرة قال صلى الله عليه وسلم (الصوم جُنَة) رواه البيهقي وأحمد والنسائي وغيرهم وهو مهر الجنان وتصريح الدخول من باب الريان يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم: (إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون لا يدخل منه أحدٌ غيرهم فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد) البخاري ومسلم، وهو المؤازر للقرآن في الشفاعة يوم القيامة قال صلى الله عليه وسلم (الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة يقول الصيام أي رب منعته الطعام والشراب بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن أي رب منعته النوم بالليل فشفعني فيه قال فيشفعان) أخرجه أحمد والطبراني والحاكم.

ملاحظة: بين القرآن والصيام علاقة لطيفة ذكرها فضيلة إمام أهل السنة الشيخ/ عبد اللطيف مشتهري رحمه الله في كتابه (مدرسة الصوم) فارجع إليها ففيها الغناء.

إن من استشعر فضل رمضان وفضل الصوم رقَّ فؤاده وصفا قلبه وطلب من الله الاستزادة من نعيم الطاعة لذا قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه (لولا ثلاث ما أحببت البقاء في الدنيا: كثرة الظمأ في الهواجر ومكابدة الساعات في جوف الليل (يعني قيام الليل) ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما تنتقون أطايب الطعام.

ومن ذلك أيضا تهيئة النفس للصبر والتحمل واستعذاب الجوع والعطش في سبيل الله تصديقا بوعد الله وحرصا علي مرضاة الله وذلك مصداقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.

إن الصبر والاحتساب والتحمل والتجمل من صفات الصالحين الذين أعدَّ الله لهم يوم القيامة جزيل الأجر والمثوبة قال الله عز وجل في الحديث القدسي (كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحدٌ أو قاتله فليقل إني صائم والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند اصلى الله عليه وسلم من ريح المسك للصائم فرحتان يفرحهما إذا أفطر فرح بفطره وإذا لقي ربه فرح بصومه) متفق عليه، وقال تعالى: ( ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120) (التوبة 120).

ثانياً: الإكثار من المستحبات وأعمال الخير التي تصاحب الصائم غالباً في رمضان ليكون صومه أدعى للقبول ومن ذلك: قراءة القرآن والإقبال عليه تلاوة وتدبراً والقيام به في ليالي رمضان لأنه الشافع المشفع والشاهد المصدق ومن أجله كرّم رمضان وبوركت ليلة القدر لنزوله فيها {إنا أنزلناه في ليلة القدر} وسبق الحديث في شفاعته للعبد يوم القيامة.

صلاة القيام (التراويح) التي يخفف فيها المسلم من أثقال المادة ويهجر سيء المجالس ولغو الحديث إلي غذاء القلب والروح والصلاة والمناجاة.

الجود والكرم والبذل اقتداء بحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم (الذي كان أجود الناس وأجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه عن ابن عباس.

الاعتكاف وخاصة في العشر الأواخر من الشهر الكريم تعرضا لليلة القدر فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ثم اعتكف أزواجه من بعده) متفق عليه عن عائشة.

وصون اللسان والجوارح من المخالفات والسب قال صلى الله عليه وسلم: (من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) البخاري.

فليس الصوم عن الطعام والشراب فقط بل عن الرفث والفسوق والصوم فرصة لِـمُلْك اللسان والجوارح

قال الشاعر:

إذا صام اللسان عن الخطايا           فكل شهوره شهر الصيام

الدعاء للمسلمين في كل بقاع الدنيا لعلَّ الله يرفع الغمة عن الأمة المستضعفة في هذا الزمان قال صلى الله عليه وسلم (إن للصائم عند الله دعوة لا ترد) رواه أحمد بلفظ ثلاث دعوات مستجابات دعوة الصائم ودعوة المظلوم ودعوة المسافر.

ثالثاً: التفقه في باب الصوم

لمعرفة أركانه وشروط وجوبه ومستحباته ومكروهاته ومبطلاته ومن يجب عليه القضاء ومن يجب عليه الفدية ومن يجب عليه القضاء والكفارة وحكم تاركه إلخ هذه الأحكام التي لا يسع المسلم جهلها ولئلا يكون عالة علي غيره في بدهيات هذه العبادة.

رابعاً: تربية أهله وبيته خلال هذا الشهر الكريم وذلك بتنظيم أوقاتهم وهجر ما حرم الله من تضييع الأوقات الثمينة في محقرات الأعمال واصطحاب الأولاد إلي المساجد لأداء الصلوات، وعدم التضييق على النساء في شهودهن صلاة التراويح في المسجد إن لم يتعارض مع واجب اجتماعي منزلي لأن بركة الجماعة ورؤية المسلمات أخواتهن وصلاتهن معهن في المسجد له بركته خاصة إذا كان هذا اللقاء منضبطاً بأحكام الشرع فإن الفتيات يعلم بعضهن بعضا الالتزام وتقلد كلٌّ أختَها في الخير غَالبا مَن خلال هذه اللقاءات الجامعة المباركة حيث الهمم عالية والقلوب مشرقة والمواعظ متتابعة.

ولا ينسي المسلم تعويد أطفاله الصوم كما يعودهم الصلاة حيث ورد عن الربيع بنت معوّذ رضي الله عنها قالت (كنا نصوِّم أولادنا فنصنع لهم اللعبة من العهن حتى يكون الإفطار) رواه مسلم بلفظ (حتى يتموا صومهم).

فأولادنا هم رصيد الأمة المدخر لها الذي ينفعها عند الشدائد ولا يقوم بحق الأمة وحمايتها إلا الطائعون العابدون لله والأيام خير ناطق بذلك كما لا يغفل المسلم عن صياغة بيته إيمانيا وجمعهم علي الخير وحثهم علي العبادة والطاعة وإيثار مرضاة الله علي اللهو والعبث؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر أحيا ليله، وأيقظ أهله وجدّ وشد المئزر) متفق عليه.

أخيراً: ينبغي أن لا يغتر المسلم بعمل صالح وفقه الله إليه أو ركعات أداها وآيات تلاها ومالٍ أنفقه وإنما يحيا عمره كله بين الخوف والرجاء الخوف من عدم القبول والرجاء والطمع في قبول الله أعماله.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ