حسين أحمد

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فإنَّ الإسراع بالخير من الصِّفات التي يتحلَّى بها المؤمنون، وهي علامة من علامات الصَّلاح، ولقد أثنى الله الكريم على مَن يسارِع بالخير في القرآن الكريم.

♦ يقول الله جلَّ جلاله: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [آل عمران: 133].

♦ وقال الله تعالى: ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ ﴾ [الأنبياء: 90].

♦ وقال الله سبحانه: ﴿ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ [آل عمران: 114].

♦ ويقول الله سبحانه: ﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 61].

♦ وفي تفسير هذه الآية الكريمة يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: "﴿ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ ﴾ [المؤمنون: 61]؛ أي: في ميدان التسارع في أفعال الخير، همُّهم ما يقرِّبهم إلى الله سبحانه، وإرادتهم مَصروفة فيما ينجي من عذابه، فكل خيرٍ سمعوا به، أو سنحَت لهم الفرصة إليه، انتهَزوه وبادَروه، قد نظروا إلى أولياء الله تعالى وأصفيائه أمامهم، ويمنة ويسرة، يسارعون في كلِّ خير، وينافسون في الزلفى عند ربهم سبحانه، فنافسوهم، ولمَّا كان السابق لغيره المسارع قد يَسبق لجده وتشميره، وقد لا يَسبق لتقصيره، أخبر الله تعالى أنَّ هؤلاء من القسم السابقين فقال: ﴿ وَهُمْ لَهَا ﴾ [المؤمنون: 61]؛ أي: للخيرات، ﴿ سَابِقُونَ ﴾ [المؤمنون: 61]؛ قد بلغوا ذروتها، وتباروا هم والرعيل الأول، ومع هذا قد سبقت لهم من الله تعالى سابقة السعادة، أنهم سابقون"؛ (تفسير السعدي).

وفي السنَّة النبويَّة وردت جملة من الأحاديث الشريفة لبيان فَضل الإسراع بالخير والمبادرة إليه، وبيان الحكمة من ذلك الأمر:

♦ فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بادِروا بالأعمالِ فتنًا كقطع الليلِ المظلمِ، يصبحُ الرجلُ مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعرضٍ من الدنيا))؛ (مسلم).

♦ وعن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله تعالى عنه قال: سمِعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: ((تصدَّقوا؛ فإنَّه يأتي عليكم زمانٌ يَمشي الرجلُ بصدقتِه فلا يجِدُ مَن يَقبلها، يقولُ الرجلُ: لو جئتَ بها بالأمسِ لقَبِلتُها، فأما اليومَ، فلا حاجةَ لي بها))؛ (البخاري).

والأحاديث الشريفة تبيِّن أنَّ المسلم ينبغي له أن يقدِّر النِّعَم المتاحة له في فِعل الخيرات والمبادرة بها، فمَن يملك المالَ اليوم قد لا يملكه غدًا، فليغتنِم كلُّ مسلم الفرصةَ للمسارعة بالصدقات في جميع وجوه الخير، ويتجنَّب التسويف في القربات والطاعات؛ فمَن يملك القوة اليوم للمساعدة في أعمال البرِّ والخير وتحصيل العلم ومساعدة الغير قد لا يملكها غدًا، ومن يقوى على فِعل الطاعات اليوم قد تضعف صحَّته فلا يستطيع الوفاء بما تتطلبه بعض الطاعات والقربات، ومَن يملك وقت الفراغ للمشاركة في الأعمال التطوعيَّة والدعوة وغيرها، قد لا يجد وقتًا متاحًا بعد ذلك.

وبالجملة، فإنَّ الإسراع بالخير هو سِراج المسلم المنير في هذه الدنيا لفِعل كل الطاعات؛ من قراءةٍ للقرآن الكريم، والإكثار من ذكر الله تعالى، والصوم، وقيام الليل، والصدقة، ومساعدة الغير، وتحصيل العلم، والدعوة إلى كلِّ وجوه الخير لله تعالى.

والمسلم بفضل الله تعالى يسأل نفسَه: ماذا أعدَّ للآخرة؟ وبالأخص من الصَّدقات الجارية؛ لأنها سبيل عظيم للحسنات، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((سبعٌ يَجري للعبد أجرُهنَّ وهو في قبره بعد موته: مَن علَّم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلًا، أو بنى مسجدًا، أو ورَّث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته))؛ حسَّنه الألباني في صحيح الترغيب.

نسأل اللهَ العظيم أن يرزقنا وأهلَنا والمسلمين العفوَ والعافية والمعافاة في الدنيا والآخرة، وأن يرزقنا الفردوسَ الأعلى، والصلاح والفلاح.

والحمد لله رب العالمين، ‌والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ