قال الله تعالى :{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}[غافر(51)]،

{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ}[الصافات171-172

قال تعالى: {وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}[آل عمران (139)]،

قال الألوسي -رحمه الله- : "فلا تهنوا ولا تحزنوا -أيها المؤمنون- فإن الإيمان يوجب قوة القلب، ومزيد الثقة بالله - تعالى -، وعدم المبالاة بأعدائه"[محاسن التأويل(2/416)

-       روى البخارى من حديث عدى بن حاتم قال بينما أنا جالسٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجلٌ يشكو إليه الفاقة وجاء إليه أخر يشكوا إليه قطع السبيل ( أى قطع الطريق ) فقال الصادق المصدوق لعدى بن حاتم :( يا عدى هل رأيت الحيرة ) وكانت آنذاك تحت ملك كسرى ، فقال عدى لا ولكنّى أُنبئتُ عنها ، فقال صلى الله عليه وسلم ( لأن طالت بك حياة لترين الظعينة –المرأة التى تركب الهودج على ظهر الجمل- ترتحل من الحيرة إلى الكعبة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله ) فقلتُ فى نفسى وأين دُعّار طئ –أى قُطّاع الطريق فى قبيلة طئ وهى قبيلة عدى بن حاتم وكانت مشهورة بقطع الطريق- وإذ به صلى الله عليه وسلم يقول( ولئن طالت بك حياة لتُفتحن كنوز كسرى ) يقول عدى قلت يا رسول الله كسرى بن هرمز ، قال صلى الله عليه وسلم ( كسرى بن هرمز ) قال ( ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج بملئ كفه ذهبا لا يجدُ من يقبله منه ) يقول عدى راوي الحديث :فو الله لقد رأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف ببيت الله لا تخاف أحدا إلا الله وكُنت فيمن افتتح كنوز كسرى ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال لكم أبا القاسم ( يقصد الرجل يملأ كفه ذهباً فلا يجد من يقبله)

-       يقول ابن كثير في تاريخه واصفاً حال المسلمين يوم أن نزل بهم التتار :

   قال -رحمه الله:-

"ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرِّجال والنِّساء والولدان والمشايخ والكهول والشُّبان ودخل كثيرٌ من النَّاس في الآبار، وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، ومكثوا كذلك أيامًا لا يظهرون، وكان الجماعة من النَّاس يجتمعون إلى الخانات، ويغلقون عليهم الأبواب، فتفتحها التَّتار إمَّا بالكسر وإمَّا بالنَّار، فيهرب النَّاس إلى السُّطوح، فيقتلونهم هناك حتَّى جرت الميازيب بالدِّماء في الأزقة!!

وقتل خلال الأربعين يومًا ألف ألف وثمانمائة ألف!! فإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون (قد يستغرب عدد القتلى، ولكنِّي راجعت ثمانية مراجع تاريخيَّة، كلُّها ذكرت الرَّقم نفسه: مليون وثمانمائة ألف).. وكان الرَّجل يستدعى فيخرج بأولاده ونسائه فيساقون إلى المقبرة ثمَّ يذبحون ذبح الشِّياه، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه..

ولما انقضت الأربعون خرج التَّتار من بغداد، وبقيت خاوية على عروشها، القتلى في الطُّرقات كالتَّلال، وسقط عليهم المطر فأنتنوا، وتغير الهواء، ووقع بسبب ذلك وباء مات بسببه خلق في الشَّام من سريان الهواء الفاسد إليهم!!

أمَّا من كان مختبئًا في المقابر والمطامير، فخرجوا بعد الأربعين يومًا كأنَّهم موتى نشروا من قبورهم.. قد أنكر بعضهم بعضًا.. لا يعرف الوالد ولده.. ولا الأخ أخاه.. فلم يلبثوا أن أصابهم الوباء فتصرعوا، ولحقوا بمن مضى، واجتمعوا تحت الثَّرى، بأمر الَّذي يعلم السِّر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى" ا. هـ (ج 215/13 بتصرف).

وبعد هذه المحنة العظيمة، كشف الله -تعالى- الكربة، ورفع البلاء، وراجع المسلمون دينهم، وعاد لهم عزّهم ومجدهم {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشُّورى: 30].

ووقوع ذلك البلاء عليهم، بل ووقوع غيره قبله وبعده إلى زماننا هذا، لا يعني أنَّ الله -تعالى- يبغض المسلمين، أو يفضل عليهم الكافرين، ولكن {قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرَّعد: 11].

يا صاحب الهم إن الهم منفرج     **   أبشر بخير فإن الفارج اللـــــــــــه

وإذا بليت فثق بالله وارض به     **   إن الذي يكشف البلوى هو الله

الله يجعل بعد العسر ميــــسرة     **  لا تجزعن فإن الله الخالق اللـــــه

والله ما لك غير الله من أحد     **   فحسبك الله في كلٍّ لك اللــــــــه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ