لقد كان من ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بربه أنه كان دائماً يعتقد بنصرة الله له، وأنه لن يخذله ولن يتخلى عنه سبحانه وتعالى، وكان بعض الصحابة يصابون بإحباط ويأس من كثرة رؤيتهم لقوة الكفار، وقلة عدد المسلمين، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يذكر أصحابه في أحلك المواقف بأن المستقبل للإسلام؛ ولذلك لما جاء خباب بن الأرت إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو له الشدة التي أصابته وأصابت أصحابه المسلمين في مكة، لقد حرق ظهره، لقد كوته مولاته الكافرة بأسياخ الحديد المحماة فلم يطفئها إلا ودك شحم ظهره لما سال عليها، وهو يقول: ألا تدعوا لنا؟ ألا تستنصر لنا؟ فيقول النبي صلى الله عليه وسلم:(والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت - في ذلك الطريق الخطر المخوف- لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)، أوردها في أحلك الظروف في مكة.

ولما ذهب هو وصاحبه في طريق الهجرة أدركهما سراقة بن مالك على فرس، إنهما مطاردان، إنهما في حال حرجة جداً، ويدركهما سراقة، ولكن تسيخ قدما أو يدا الفرس إلى الركبتين، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام في ذلك الموقف الحرج والظرف الحالك لسراقة: (كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟)ما قالها بعد انتصار بدر مثلاً، أو بعد فتح مكة، وإنما قالها وهو مطارد وسراقة وراءه في الظرف الحرج والكفار يتربصون، (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ) سورة الأنفال30يطلبون دم محمد صلى الله عليه وسلم، ووضعوا الجائزة العظيمة، ثم يقول:(كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟) شيء بعيد جداً عن الذهن، شيء بعيد للغاية، لا يمكن أن يفكر فيه سراقة أبداً في تلك اللحظة، يقول: (كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟).

لما حاصر الأحزاب المدينة واجتمعوا عليها وتألبوا، جمعوا كيدهم بعشرة آلاف، المسلمون أقل عدداً وعُدداً، وفي ذلك الخوف، والليل المظلم، والريح الباردة الشديدة، يعملون بأيديهم، الجوع والظروف القاسية جداً، هذا الخوف المدلهم، ينزل ليكسر الصخرة ويقول بعد الضربة الأولى: (الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمراء الساعة، ضربة أخرى: أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن أبيض، الضربة الثالثة: أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة)متى قالها؟ في أحلك الظروف وأسوئها، وقد بلغت القلوب الحناجر، ويظنون بالله الظنوناً، ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، سيأخذهم الكفار يعبرون الخندق سيحصرون سيموتون من الجوع تحت الحصار، ولكن يرد الله الذين كفروا بغيظهم بريح لم تتوقع وبملائكة تنزل.

أيها الإخوة:

إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبرنا في الأحاديث الصحيحة أن المستقبل للإسلام؛ يجب أن نؤمن بذلك، ولا يجوز إطلاقاً أن نشك فيه: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون) سورة التوبة33ولو كره الكفار، لا بد، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون) سورة التوبة33، وقال لأصحابه عليه الصلاة والسلام:(إن الله زوى لي الأرض) جمعها وضمها، فنظر إليها عليه الصلاة والسلام - نظرة حقيقية بعينه الحقيقية- (فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها)، فسيبلغ إذن ملك هذه الأمة الليل والنهار.

وقال عليه الصلاة والسلام: (ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر) لا بيت حجر في البلد ولا بيت وبر وشعر في البادية، (إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز الله به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر)، وهذا أمر لم يتحقق بعد، فلا بد أن يتحقق، كما جاء في الحديث الصحيح الآخر: أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب -أي: نكتب حديثه- إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية -روما-؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مدينة هرقل تفتح أولاً)يعني: القسطنطينية، رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث صحيح، فروما لم تفتح بعد، فلا بد أن تفتح؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بذلك، وهو الذي قال صلى الله عليه وسلم: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت)رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو حديث صحيح، وقال عليه الصلاة والسلام: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً).

فإذن هذه الأحاديث لا بد أن تتحقق؛ لأنها خبر من الغيب من الله سبحانه وتعالى، ولا بد أن يعتقد المسلمون بأن المستقبل للإسلام قطعاً، كيف وقد أفلس الغرب والشرق من القيم والمفاهيم، كيف وقد صاروا في أمر مريج، ما هو الدين المرشح للانتشار والظهور وأن يكون هو الذي يقتنع به البشر ويأتون إليه؟ هو أسرع دين في العالم انتشاراً الآن في وقت ضعف المسلمين هو أسرع الأديان انتشاراً، فكيف بغيره من الأوقات؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ