أحمد عبدالمجيد

لا يكاد يختلف عاقلان على أن ما يحدث في منطقتنا العربية بأسرها، من قتل وظلم وتشريد لأهل السنة وفتح باب الإلحاد على مصراعيه، إنما يقصد به، في الأساس، هوية الأمة ودينها ورجال دعوتها، وفي ظل هذه الهجمة، التي يخيل للبعض أنها غير مسبوقة، قد يتسلل اليأس إلى قلوب المخلصين الصادقين من أنه لا أمل في الانتصار، وغاب عن هؤلاء أنه قد مرت على الأمة عصور شبيهة بما نمر به الآن؛ بل تكاد تكون نسخة مكرورة منها، وعلى الرغم من ذلك انتهت بنصر أهل الحق نصرًا مظفرًا، ودحر أهل الباطل وهزيمتهم هزيمة منكرة، من تلك الفترات العصيبة ما حدث في القرن السابع الهجري، حين تسلط الشيعة والنصارى على بلاد المسلمين؛ كالشام والعراق ومصر، حتى كان شعار المرحلة الذي تبناه هؤلاء المفسدون حينئذ: «من لعن وسب فله دينار وإردب»، والإردب هو مكيال يساوي (150) كيلو جرامًا تقريبًا، يقصدون بذلك: من لعن أهل السنة وعلماءهم، وفي المقدمة منهم الصحابة الأجلاء، وتطاول على الثوابت والمحكمات، وولغ في الأعراض، وحرض على الدماء فله جزيل العطاء حسبما يريد، كيلًا ووزنًا أو عينًا ونقدًا.

يصف شيخ الاسلام ابن تيمية (المتوفى: 728هـ) مشهدًا من هذه الفترة العصيبة فيقول: «وأظهروا [أي الشيعة] في بلاد الشام والعراق شعار الرافضة، كما كانوا قد أظهروها بأرض مصر، وقتلوا طوائف من علماء المسلمين وشيوخهم، وأذنوا على المنابر: "حي على خير العمل"، وكان في أثناء دولتهم يخاف الساكن بمصر أن يروي حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتل، وكانوا ينادون: «من لعن وسب فله دينار وإردب»، وكان بالجامع الأزهر عدة مقاصير يلعن فيها الصحابة؛ بل يتكلم فيها بالكفر الصريح، حتى جاء الترك فهزموهم وطردوهم إلى مصر، وكان من أواخرهم الشهيد نور الدين محمود، الذي فتح أكثر الشام واستنقذه من أيدي النصارى؛ ثم بعث عسكره إلى مصر لما استنجدوه على التتار، وتكرر دخول العسكر إليها مع صلاح الدين الذي فتح مصر؛ فأزال عنها دعوة العبيديين من القرامطة الباطنية، وأظهر فيها شرائع الإسلام، حتى سكنها من حينئذ من أظهر بها دين الإسلام» [مجموع الفتاوى (35/ 138)].

وفي موضع آخر يقول: «والرافضة يستعينون بالكفار على المسلمين، فقد رأينا ورأى المسلمون أنه إذا ابتلي المسلمون بعدو كافر كانوا معه على المسلمين، كما جرى لجنكيز خان ملك التتار الكفار، فإن الرافضة أعانته على المسلمين...، فهل يكون مواليًا لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم من يسلط الكفار على قتلهم وسبيهم وعلى سائر المسلمين؟» [منهاج السنة النبوية (5/ 154)]، وجنكيز خان هذا هلك سنة (624ه).

وقد استباح التتار، بقيادة هولاكو، دماء المسلمين بتحريض من الرافضة، وعلى رأسهم النصير الطوسى، الذي كان وزيرًا له، والذي استغل منصبه وقربه من هولاكو فشفا نفسه من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة، والمنجمين، والطبائعيين، والسحرة، ونقل أوقاف المدارس والمساجد إليهم، وجعلهم خاصته وأولياءه، ونصر فى كتبه قدم العالم، وبطلان المعاد، وإنكار صفات الرب جل جلاله، واتخذ للملاحدة مدارس، ورام تغيير الصلاة وجعلها صلاتين، فلم يتم له الأمر. [إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان، لابن القيم (2/ 267)].

أما عن دور علماء السوء والمنافقين في هذه المحنة فيقول شيخ الاسلام ابن تيمية: «لا يشير على ولي المسلمين بما فيه إظهار شعائر النصارى في بلاد الإسلام، أو تقوية أمرهم بوجه من الوجوه، إلا رجل منافق، يظهر الإسلام، وهو منهم في الباطن، أو رجل له غرض فاسد، مثل أن يكونوا برطلوه (أي رشوه)، ودخلوا عليه برغبة أو رهبة، أو رجل جاهل في غاية الجهل، لا يعرف السياسة الشرعية الإلهية التي تنصر سلطان المسلمين على أعدائه، وأعداء الدين، وإلا فمن كان عارفًا ناصحًا له أشار عليه بما يوجب نصره، وثباته، وتأييده، واجتماع قلوب المسلمين عليه، وفتحهم له، ودعاء الناس له في مشارق الأرض ومغاربها، وهذا كله إنما يكون بإعزاز دين الله، وإظهار كلمة الله، وإذلال أعداء الله تعالى.

وليعتبر المعتبر بسيرة نور الدين، وصلاح الدين، ثم العادل، كيف مكنهم الله، وأيدهم، وفتح لهم البلاد، وأذل لهم الأعداء، لما قاموا من ذلك بما قاموا به؟!، وليعتبر بسيرة من والى النصارى؛ كيف أذله الله وكبته!» [مجموع الفتاوى (28/ 642)].

من هنا ندرك أهمية قراءة التاريخ، ونكتشف جانبًا من الحكمة وراء أمر الله لنا بالسير في الارض، بالقلوب والعقول والابدان، من ذلك قوله تعالى: {قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين بأنواع العقوبات الدنيوية، قد خوت ديارهم، وتبين لكل أحد خسارهم، وذهب عزهم وملكهم، وزال بذخهم وفخرهم؛ لذا يقول العلماء: إن السنن إذا تشابهت أعاد التاريخ نفسه!

وما أحسن قول الشاعر:

اقرءوا التاريخ إذ فيه العبر       ضل قوم ليس يدرون الخبر

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خالفهم, ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة»، «وكل من عرف سير الناس وملوكهم رأى كل من كان أنصر لدين الإسلام, وأعظم جهادًا لأعدائه, وأقوم بطاعة الله ورسوله, أعظم نصرةً وطاعةً وحرمةً, من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وإلى الآن» [مجموع الفتاوى (28/ 640)].

اللهم انصر كتابك ودينك وعبادك المؤمنين، اللهم عذب الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيلك ويبدلون دينك ويعادون المؤمنين، اللهم خالف بين قلوبهم، وشتِّت كلمتهم؛ واجعل تدميرهم في تدبيرهم؛ وأدر عليهم دائرة السوء، اللهم أنزل بهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين، آمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ