كن واثقا بأن الله رازقك وكافيك، فقد خلق الله الخلق جميعا لعبادته، وتكفل لهم بالزرق، فقال {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ* مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}[الذاريات(56)(57)(58)]، وقال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}[هود(6)].

وتأكيدا على ذلك أقسم الله -تبارك وتعالى- بنفسه المقدسة بأنه قد تكفل بالرزق لعباده، فقال: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}[الذاريات (22) (23)].

قال ابن جرير الطبري -رحمه الله-: "يقول تعالى ذكره مقسما لخلقه بنفسه: فوربّ السماء والأرض، إن الذي قلت لكم أيها الناس: إن في السماء رزقكم وما توعدون لحقّ، كما حقّ أنكم تنطقون"[جامع البيان في تأويل القرآن (22/422)].

وقد روي عن الأصمعي أنه قال: أقبلت من جامع البصرة، فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع، قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن، فقال: اتل علي، فتلوت: {وَالذَّارِيَاتِ}[الذاريات(1)]، فلما بلغت قوله تعالى: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ}[الذاريات(22)] قال: حسبك، فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفر، فسلم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت: {فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ}[الذاريات(23)]، فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف، لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى اليمين، قائلا ثلاثا، وخرجت معها نفسه"[أضواء البيان(7/441) للشنقيطي].

وإذا كان العبد موقنا بأن الله رازقه، وبذل الأسباب الجالبة لذلك؛ رزقه الله، وأعطاه طلبه؛ جاء في الحديث عن عمر -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا)[رواه ابن ماجه(4164)].

وفي الحديث عن أبي الدرداء رضي الله عنه - قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله)[رواه ابن حبان في صحيحه(3238)، وابن أبي عاصم في السنة(264)، وقال الألباني: "صحيح لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب(1703)]، وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لو فر أحدكم من رزقه أدركه كما يدركه الموت)[رواه الطبراني في الأوسط(4444) والصغير(611) بإسناد حسن، وقال الألباني: "حسن لغيره" كما في صحيح الترغيب والترهيب(1704)].

فإذا وثق العبد بالله، وأيقن أنه رازقه وكافيه زهد في هذه الدنيا، وعاش فيها راضيا مطمئنا، قيل لحاتم الأصم: "على ما بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: على أربع خلال: "علمت أن رزقي لا يأكله غيري، فلست اهتم له، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري، فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة، فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال، فأنا مستحيي منه"[شعب الإيمان(2/456)].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ