إن سنَّة النصر لا تتخلَّف متى استوفيت الشروط، وأهمها: الاستقامة على منهج الله، بطاعة أمره واتباع رسوله؛ قال - تعالى -: ﴿ إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ [محمد: 7]، وقال - جلَّ ذكره -: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ * إنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ * وَإنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 171-173].

وجاءت عوامل النصر جليَّة واضحة في قوله - تعالى -: ﴿ يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 45-46].

إن من الحقائق التي استفدناها من دروس التاريخ: أن الحق لا ينتصر لمجرد أنه حقٌّ؛ بل لابد من قوة تسنده، وفئة تعاضده، وأنصارٌ يقومون به.

فلابدَّ إذن من سلطة تنصر الحق وتقمع المنكر، كما دلَّ عليه القرآن في قول الله - تعالى -: ﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ﴾ [الحديد: 25]؛ "ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف"[1].

ولو أخذنا نموذجاً من تاريخنا المشرق، ننظر كيف كُتب لأهله النصر لمّا أخذوا بأسبابه، وهم الموحِّدون في دولة الأندلس، في معركة (الأرك) سنة 591هـ، ضد النصارى الذين كادوا يكتسحون الأندلس، مستفيدين من انشغال المسلمين بإخماد بعض الثورات التي قامت في إفريقية حتى لقد قُدِّرت القوات الأوروبية التي احتشدت في مواجهة القوات الإسلامية بـ(150) ألف جندي، تزيد عن ثلاثة أضعاف القوات الإسلامية، وقد تلمَّس بعض الدارسين[2] لتلك المرحلة بعض الأسباب التي أدَّت إلى انتصار الجيش المسلم؛ فمن ذلك:

الاهتمام بسلامة العقيدة، وتمثَّل ذلك في إعلان خليفة الموحِّدين (يعقوب بن يوسف) براءته من الاعتقاد بعصمة (ابن تومرت)، واستخفَّ بمن بالغوا في تقديسه، وشجَّع على الاهتمام بالقرآن وكتب الحديث المعتمَدة، وهذه محاولة جادة للاقتراب من منهج أهل السنة والجماعة.

1 - اهتمام دولة الموحِّدين بالمرضى والفقراء والأيتام، وكان السلطان يشرف بنفسه على هذه الأعمال.

2 - محاربة المنكر والظلم، ومعاقبة العمَّال الذين تشكو الرعية منهم، مع التشديد على إقامة الصلوات الخمس، ونشر العدل بين الناس.

3 - فتح باب الاجتهاد، ومحاربة الجمود والتعصُّب للمذاهب.

4 - احترام العلماء والقضاة والفقهاء.

5 - الحزم والقيادة الرشيدة، المتمثلة في توحيد البيت الموحِّدي، والقضاء على الثورات، وإسناد المهامّ إلى أهلها.

6 - الاهتمام بمدأ الشورى، فأعطى لأهل الاختصاص مكانتهم، واعتمد خطة (أبي عبدالله بن صناديد) ذات الأبعاد المتعددة.

7 - جودة التخطيط، وظهر ذلك في حشد الألوف من المجاهدين، وتوفير العدَّة والعتاد، وتقسيم المواقع وإحكام الخطة في المعركة الفاصلة.

8 - إذكاء روح الجهاد في الجنود؛ فقد أمر السلطان العلماء أن يجمعوا أحاديث الجهاد على الموحِّدين من أجل دراستها وحفظها، وأصبح ذلك الفعل سنَّة في دولة الموحِّدين.

9 - تواضع القيادة، ويظهر ذلك عندما طلب أمير الموحِّدين من رعيَّته أن يسامحوه، وأن يتغافروا فيما بينهم، مما أثَّر في الناس.

10 - الاهتمام بمعرفة النفسيات، خاصةً في أمر الجهاد؛ فقد جعل أمير الموحِّدين زعيم الأندلسيين منهم؛ ليكون أنشط لهممهم في القتال". أهـ.

ومما لا شك فيه أن هناك أسباباً تضاف إلى هذه، تناسب طبيعة المرحلة الراهنة لكل زمان ومكان.

ولكن إذا تخلفت هذه الأسباب تخلف النصر بطبيعة الحال، وربما حلَّت الهزيمة؛ لأنَّ سنن الله - تعالى - لا تحابي ولا تجامل أحداً من الخلق، ولا تجاري أهواء البشر، وإنما تساير أعمالهم، وإنَّ الذين يرثون الكتاب وراثةً بالاسم وشهادة الميلاد، ولا يترجمون ما فيه من الأوامر والنواهي واقعاً سلوكيّاً، ثم يقولون: سيُغفر لنا! لا يستجيب الله - عزَّ وجلَّ - لهم، حتى يعودوا إلى العمل بما أمرهم الله في كتابه المنزل: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الكِتَابَ يَاًخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإن يَاًتِهِمْ عَرَضٌ مِّثْلُهُ يَاًخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الكِتَابِ أَن لاَّ يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ [الأعراف: 169].

وبناءً على ذلك؛ فإن السُّنن لا تحيد ولا تميل مع الأماني، وإنما تتأثر بالأعمال الجيدة، والجهود المنظَّمة، والمخطَّطات المحكمة؛ للوصول إلى النتائج المحدَّدة المطلوبة.

ومعنى ذلك: أنه لا يمكن أن يكون النصر بغير اتخاذ الأسباب، سواء تعلَّق الأمر بالمؤمنين أم بالكفار.

ـــــــــــــــــــــــــــ

1 - صفحات مشرقة من التاريخ الإسلامي. علي محمد الصلابي. دار القمة، الإسكندرية.

2 - طاعة أولي الأمر. عبدالله الطريقي. ط1، 1414هـ، دار المسلم، الرياض.