الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ، فقد ذكر الله أسبابًا خمسة للنصر على الأعداء ذكرها الله في آيتين من سورة الأنفال ، سأذكرها مع بيان هذه الأسباب وتفسير يسير للآيتين ، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ ۖ وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾

( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة ) أي : جماعة كافرة.( فاثبتوا ) لقتالهم فلا تجبنوا ولا تهربوا ، وهذا السبب الأول وهو متضمن للنهي عن الانهزام وهو من كبائر الذنوب قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾

( واذكروا الله كثيرا ) هذا السبب الثاني من أسباب النصر وهو الإكثار من ذكر الله عند لقاء العدو ولاشك أنه موطن خوف وفزع لكن السعيد من وفق لذكر الله فيه ذكراً كثيرا .

ويدخل في ذكر الله تعالى الدعاء قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ ومن الأدعية ما كان يدعو به النبي : (اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزمهم وانصرنا عليهم).

( لعلكم تفلحون ) أي : فيما ترجونه من النصر على عدوكم.

( وأطيعوا الله ورسوله ) هذا هو السبب الثالث وهو أمر بفعل كل ما أوجب الله ، والانتهاء عن كل ما حرم الله فإن أعظم أسباب النصر طاعة الله قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾

وأعظم أسباب الخذلان معصية الله قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ۖ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾

” يخبر تعالى عن حال الذين انهزموا يوم أحد ، وما الذي أوجب لهم الفرار، وأنه من تسويل الشيطان، وأنه تسلط عليهم ببعض ذنوبهم. فهم الذين أدخلوه على أنفسهم، ومكنوه بما فعلوا من المعاصي، لأنها مركبه ومدخله، فلو اعتصموا بطاعة ربهم لما كان له عليهم من سلطان ” [ تفسير ابن سعدي ].

فما استجلب النصر بمثل طاعة الله ، ولا وقعت الهزيمة بمثل معصية الله.

وأعظم طاعة هي توحيد الله وإرادة وجهه سبحانه في كل عمل ، فالمجاهد المسلم يريد بجهاده إعلاء كلمة الله ، قال : (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله ). متفق عليه.

( ولا تنازعوا ) أي لا تختلفوا وهذا هو السبب الرابع وهو الاجتماع والائتلاف وترك كل سبب يؤدي للتخاصم والاختلاف.

( فتفشلوا ) أي : تجبنوا وتضعفوا ،

( وتذهب ريحكم ) أي اجتماعكم وقوتكم. .

( واصبروا إن الله مع الصابرين ) هذا هو السبب الخامس وهو الصبر ، وكل الطاعات تحتاج إلى صبر وخاصة الجهاد في سبيل فإن المجاهد يعرض نفسه للجراح والموت فيحتاج إلى صبر ومصابرة في هذا الموطن الشريف ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

وقال : ” يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية ، فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف “. رواه البخاري ومسلم.

وأختم بما قاله ابن القيم رحمه عند هاتين الآيتين في خاتمة كتابه الفروسية ، قال رحمه الله:

” فَأمر الْمُجَاهدين فِيهَا بِخَمْسَة أَشْيَاء مَا اجْتمعت فِي فِئَة قطّ إِلَّا نصرت وَإِن قلت وَكثر عدوها:

أَحدهَا : الثَّبَات.

الثَّانِي : كَثْرَة ذكره سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

الثَّالِث : طَاعَته وَطَاعَة رَسُوله.

الرَّابِع : اتِّفَاق الْكَلِمَة وَعدم التَّنَازُع الَّذِي يُوجب الفشل والوهن وَهُوَ جند يُقَوي بِهِ المتنازعون عدوهم عَلَيْهِم فَإِنَّهُم فِي اجْتِمَاعهم كالحزمة من السِّهَام لَا يَسْتَطِيع أحد كسرهَا فَإِذا فرقها وَصَارَ كل مِنْهُم وَحده كسرهَا فَإِذا فرقها وَصَارَ كل مِنْهُم وَحده كسرهَا كلهَا.

الْخَامِس : ملاك ذَلِك كُله وقوامه وأساسه وَهُوَ الصَّبْر

فَهَذِهِ خَمْسَة أَشْيَاء تبتنى عَلَيْهَا قبَّة النَّصْر وَمَتى زَالَت أَو بَعْضهَا زَالَ من النَّصْر بِحَسب مَا نقص مِنْهَا وَإِذا اجْتمعت قوى بَعْضهَا بَعْضًا وَصَارَ لَهَا أثر عَظِيم فِي النَّصْر وَلما اجْتمعت فِي الصَّحَابَة لم تقم لَهُم أمة من الْأُمَم وفتحوا الدُّنْيَا ودانت لَهُم الْعباد والْبِلَاد وَلما تَفَرَّقت فِيمَن بعدهمْ وضعفت آل الْأَمر إِلَى مَا آل ، وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم وَالله الْمُسْتَعَان وَعَلِيهِ التكلان وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــ